ألغت اليابان حظرًا استمر لعقود على تصدير الأسلحة الفتاكة، في خطوة تُعد الأبرز منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ما يمثل تحولًا جوهريًا في سياستها السلمية التقليدية. وجاء القرار في وقت تتصاعد فيه المخاوف من التهديدات الإقليمية، خصوصًا من الصين وكوريا الشمالية.
واعتمد مجلس الوزراء الياباني مبادئ توجيهية جديدة تفتح الباب أمام تصدير معدات عسكرية متقدمة تشمل السفن الحربية والطائرات المسيّرة القتالية وأنظمة التسليح الحديثة، في خطوة تعزز توجه البلاد نحو بناء صناعة دفاعية متكاملة.
دوافع أمنية وإقليمية وراء القرار
تأتي هذه الخطوة في ظل بيئة أمنية مضطربة في شرق آسيا، حيث تزايدت التحركات العسكرية الصينية والتجارب الصاروخية لكوريا الشمالية، ما دفع طوكيو لإعادة تقييم سياستها الدفاعية.
وأكد مسؤولون أن التعديلات تهدف إلى تعزيز قدرة اليابان على الردع، وبناء شراكات دفاعية أقوى مع الحلفاء، بدل الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية.
الصواريخ والمدمرات بدلاً من السترات الواقية
لسنوات طويلة، اقتصرت مساهمات اليابان العسكرية الخارجية على مجالات إنسانية ودفاعية بحتة مثل الإنقاذ والمراقبة وإزالة الألغام، إلا أن المبادئ التوجيهية الجديدة التي أقرها مجلس الوزراء أزاحت هذه القيود تماماً، حيث بات بإمكان اليابان الآن تصدير معدات هجومية متطورة، تشمل الطائرات المقاتلة، الصواريخ البعيدة المدى، والمدمرات البحرية.
هذا التغيير الجذري يتجاوز الصادرات السابقة التي كانت تقتصر على "السترات الواقية" ومركبات النقل المدنية، كما حدث في المساعدات المقدمة لأوكرانيا، وبموجب القواعد الجديدة، سيُسمح بتصدير هذه الأسلحة إلى 17 دولة ترتبط باتفاقيات أمنية مع اليابان، شريطة الحصول على موافقة مجلس الأمن القومي، لضمان مراقبة وجهة هذه الأسلحة واستخداماتها النهائية.
بين الترحيب الغربي والوعيد الصيني
استقبل حلفاء اليابان، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وأستراليا، هذا التحول بحفاوة بالغة؛ حيث وصف السفير الأمريكي في طوكيو، جورج غلاس، الخطوة بأنها "تاريخية" لتعزيز قدرات الحلفاء، كما تجسد هذا الترحيب سريعاً في "صفقة القرن" اليابانية مع أستراليا، والتي بلغت قيمتها 6.5 مليار دولار لتوريد فرقاطات بحرية متطورة.
في المقابل، صبت الصين جام غضبها على القرار، محذرة من عودة "النزعة العسكرية" اليابانية. وصرح المتحدث باسم الخارجية الصينية بأن المجتمع الدولي سيقاوم ما وصفه بـ "التحركات المتهورة"، وعلى الصعيد الداخلي، يواجه القرار معارضة من تيارات ترى فيه انتهاكاً لروح الدستور السلمي، محذرين من أن انخراط اليابان في تجارة السلاح قد يجر البلاد إلى صراعات عالمية ويهدد سلامة شعبها.
صناعة الدفاع.. من "عبء مالي" إلى محرك اقتصادي
بعيداً عن الأبعاد السياسية، تنظر حكومة تاكايتشي إلى قطاع الدفاع كواحد من 17 مجالاً استراتيجياً لتحفيز النمو الاقتصادي، فبعد أن كانت شركات الدفاع اليابانية تعاني من محدودية السوق، بدأت الشركات الكبرى والناشئة تضخ استثمارات ضخمة في تقنيات الاستخدام المزدوج والطائرات المسيرة.
لقد فتح هذا التحول الباب أمام اليابان للمشاركة في مشروعات عملاقة، مثل تطوير مقاتلة من الجيل السادس بالتعاون مع بريطانيا وإيطاليا، وبيع صواريخ "باتريوت" للولايات المتحدة لتعويض النقص الناتج عن الدعم العسكري لأوكرانيا.
اليابان والناتو.. شراكة ما وراء الحدود
المثير للاهتمام هو تزايد اهتمام دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) بالتقنيات اليابانية، خاصة في ظل حالة عدم اليقين بشأن الالتزام الأمريكي المستقبلي تجاه الحلف، وقد زار وفد من الناتو مؤخراً منشآت شركة "ميتسوبيشي إلكتريك" لاستكشاف آفاق التعاون في مجالات الأقمار الصناعية والمقاتلات، مما يشير إلى أن اليابان تستعد لتكون "مخزناً استراتيجياً" للسلاح المتطور للحلفاء حول العالم.
اقرأ أيضًا:
الصين تعزز ترساناتها النووية سرًا وسط تصاعد المخاوف الدولية













