بدأت المناورات السياسية والكواليس المعقدة خلف الستار في البيت الأبيض فور إعلان مدير الاستخبارات الأمريكية تولسي غابارد الشهر الماضي استقالتها المفاجئة من المنصب.
ورغم نصائح بعض الحلفاء المقربين للرئيس دونالد ترامب بضرورة استبدال غابارد بشخص يمتلك خبرة مخضرمة في مجالات الأمن القومي لمواكبة ظروف حرب إيران، إلا أن ترامب انتصر في النهاية للحجة الأكثر إقناعًا لديه: اختيار شخص يبدي استعدادًا تامًا لمواجهة "المؤسسة التقليدية" وتفكيك ما يصفه بـ "الدولة العميقة" داخل مجتمع التجسس الأمريكي.
تصفية المظالم السياسية
باختياره لرجال الأعمال الثري بيل بولتي (38 عامًا)، وضع ترامب على رأس جهاز الأمن شخصًا مواليًا له بشدة، لكنه يفتقر لأي تجربة مثبتة في دهاليز العمل السري.
ما كان يملكه بولتي في المقابل هو سجل حافل بملاحقة من يراهم ترامب أكبر أعدائه السياسيين، مستغلًا منصبه السابق كمدير لتمويل الإسكان الفيدرالي.
وينبع هذا التعيين المفاجئ في منصب مدير الاستخبارات الأمريكية مما يهتم به ترامب أكثر من أي شيء آخر؛ وهو إنجاز المهام بالسرعة القصوى، حيث يُعرف بولتي بأنه من نوعية الرجال الذين يكسرون القواعد التقليدية لإرضاء الرئيس دون تردد.
وتمنح هذه القيادة الجديدة لبولتي منصة هائلة للنبش في ملفات قديمة تهم ترامب شخصيًا وتصفية مظالمه التاريخية؛ بدءًا من ملاحقة مسؤولي الأمن السابقين مثل جون برينان، وإعادة تقييم ملف التدخل الروسي في انتخابات 2016، وصولًا إلى ادعاءات تزوير انتخابات 2020.
ولأن بولتي قد نال سابقًا ثقة مجلس الشيوخ في منصبه بقطاع الإسكان، فإنه بات مؤهلًا قانونًا لشغل منصب مدير الاستخبارات الوطنية بالوكالة فورًا دون الحاجة للمرور بجلسات استماع جديدة في الكونغرس، مما يختصر وقتًا سياسيًا ثمينًا على البيت الأبيض.
مدير الاستخبارات الأمريكية شديد الولاء لترامب
تكمن الأهمية الكبرى لتعيين بولتي كمسؤول بالوكالة في كونه يضع شخصًا شديد الولاء في موقع حساس يسمح له بالتأثير على المشهد قبيل الانتخابات النصفية المقبلة، والتي يسعى ترامب لـ "تأمميها".
وثمّة مخاوف حقيقية بين المشرعين من إمكانية استخدام هذا المنصب لإعلان حالة طوارئ وطنية للسيطرة على صناديق الاقتراع بناء على مزاعم تدخل خارجي.
وقد أثار هذا التوجه صدمة واسعة بين مهنيي الأمن القومي؛ نظرًا لأن صاحب هذا الكرسي يشرف دستوريًا على 18 وكالة أمنية تشكل مجتمع التجسس الأمريكي بأكمله، مما دفع زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، جون ثون، للتحذير علنًا من خطورة تحويل المنصب إلى أداة هجومية مسيسة.
وقبل صعوده لهذا الموقع، نال بولتي إعجاب ترامب الشديد بفضل قدرته على ابتكار وسائل قانونية لملاحقة خصوم الإدارة بضراوة؛ إذ أرسل سابقًا إحالات جنائية بتهم الاحتيال العقاري ضد ديمقراطيين بارزين قادوا تحقيقات ضد ترامب، مثل المدعية العامة لنيويورك ليتيشا جيمس، والسناتور آدم شيف، بالإضافة إلى عضوة مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك.
ويرى المقربون من الرئيس أن هذه الروح الهجومية هي بالتحديد ما يبحث عنه ترامب في شخص يتولى دور مدير الاستخبارات الأمريكية لإدارة ملف أمن الانتخابات ورفع السرية السريع عن الوثائق التي تفيد الرئيس سياسيًا.
صراعات الجناح الغربي
رغم قربه الاستثنائي من الرئيس وتحدثه معه بشكل دائم، يُعد بولتي شخصية تثير انقسامًا حادًا داخل الجناح الغربي بالبيت الأبيض، حيث يمتلك سمعة بفرض أجندته الخاصة، وكاد في إحدى المرات أن يتبادل اللكمات مع وزير الخزانة سكوت بيسينت بسبب نقل وشايات سلبية للرئيس.
وتأتي هذه الاضطرابات الداخلية في وقت شهدت فيه الولاية الثانية لترامب تقليصًا ملحوظًا لصلاحيات من يشغل منصب مدير الاستخبارات الأمريكية؛ حيث استُبعدت غابارد سابقًا من اجتماعات الأمن القومي الحساسة المتعلقة بحرب إيران والتدخل في فنزويلا بسبب ميولها المناهضة للحروب.
ومع تراجع الأهمية التقليدية لهذا المركز في عين ترامب، بات البيت الأبيض يعتمد بالكامل على مدير وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، جون راتكليف، في كافة الملفات الاستخباراتية الأساسية.
ولا تُعد هذه المرة الأولى التي يعين فيها ترامب شخصاً بلا خلفية أمنية في هذا الموقع؛ إذ سبق له تعيين سفيره السابق ريك غرينيل بالوكالة في ولايته الأولى بذريعة "البحث عن سياسي يحمي ظهره".
ومع ذلك، يبقى الفارق كبيراً؛ فبينما كان لغرينيل تجربة في قراءة التقارير المصنفة، يدخل بولتي هذا العالم الغامض دون أي تجربة سابقة في التعامل مع أسرار الدولة الكبرى حتى يومنا هذا.














