شهدت منطقة الشرق الأوسط تصعيدًا عسكريًا خطيرًا وتبادلاً واسعًا للضربات بين القوات الأمريكية والإيرانية، في وقت تواجه فيه محادثات السلام جمودًا تامًا وتتزايد فيه حدة التوترات الإقليمية.
ولم تعد المواجهة مقتصرة على الاشتباكات المباشرة، بل اتسع نطاقها ليشمل اعتراض القوات الأمريكية لصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية وقصف أهداف حيوية بالقرب من مضيق هرمز الاستراتيجي.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عن تنفيذ ضربات وصفتها بأنها تندرج تحت بند "الدفاع عن النفس"، استهدفت محطة تحكم أرضية عسكرية إيرانية في جزيرة قشم الواقعة بمضيق هرمز، مشيرة إلى أن هذه الخطوة جاءت ردًا على محاولات هجومية متكررة شنتها إيران بالمنطقة.
كما أكد الجيش الأمريكي إسقاطه لعدة صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، من بينها 3 طائرات هجومية وجهتها طهران نحو بحارة مدنيين كانوا يعبرون المياه الإقليمية بشكل قانوني.
من جهتها، أعلنت طهران عن مهاجمة قواعد عسكرية ومروحيات أمريكية في إحدى دول المنطقة باستخدام الصواريخ والمسيرات ردًا على التحركات الأمريكية.
وأوضحت (سنتكوم) أن إيران وجهت صاروخين باليستيين نحو الكويت سقطا قبل بلوغ هدفهما أو تفتتا في الأجواء، و3 صواريخ أخرى نحو البحرين نجحت قوات الدفاع الجوي الأمريكية والبحرينية في اعتراضها وتدميرها فورًا، علمًا بأن إيران دأبت مرارًا على استهداف مواقع في البحرين والكويت نظرًا لتمركز القواعد العسكرية الأمريكية هناك.
رد الفعل الكويتي
وعلى وقع هذا التصعيد، أعلنت دولة الكويت عن تعليق رحلاتها التجارية بعد أن استهدف هجوم بطائرة إيرانية بدون طيار مطار البلاد الدولي.
وأوضح المتحدث باسم وزارة الدفاع الكويتية، العميد سعود عبد العزيز العتيبي، أن "عددًا من الطائرات بدون طيار المعادية" استهدفت مبنى الركاب في المطار، مما أسفر عن إلحاق أضرار جسيمة بالمبنى وإصابة عدد من الأفراد.
وعقب هذه التطورات الخطيرة، أعربت وزارة الخارجية الكويتية مجددًا عن إدانة واستنكار دولة الكويت للهجمات الإيرانية الآثمة والمتكررة، معتبرة إياها تصعيدًا خطيرًا واعتداءً مباشرًا على أمن البلاد واستقرارها، وخرقاً فاضحاً لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرار مجلس الأمن رقم 2817 لعام 2026.
كما حذرت من أن استمرار وتكرار هذه الاعتداءات يقوض الجهود الرامية إلى خفض التوتر ويهدد الأمن والاستقرار الإقليمي، مشددة على رفض الكويت القاطع لهذه الممارسات العدوانية واحتفاظها بحقها الكامل في اتخاذ ما يلزم لحفظ أمنها والدفاع عن أراضيها، مع تحميل إيران المسؤولية الكاملة عن هذه الاعتداءات.
وعلى صعيد إجراءات الحصار البحري الذي تفرضه واشنطن على مضيق هرمز منذ 13 أبريل الماضي، أفادت القيادة المركزية في بيان سابق أنها نجحت في استهداف وتعطيل ناقلة نفط غير محملة ترفع علم بوتسوانا وتدعى "M/T Lexie"، وذلك أثناء محاولتها اختراق الحصار والعبور في المياه الدولية نحو جزيرة خارج الإيرانية.
هذا الاستهداف جاء بعد أن رفض طاقم السفينة الامتثال لتوجيهات القوات الأمريكية وتجاهل تحذيراتها المتكررة على مدار 24 ساعة، ما دفع طائرة أمريكية لإطلاق صاروخ من طراز "هيلفاير" مباشرة على غرفة محركات الناقلة لمنعها من الوصول إلى وجهتها.
وأثارت هذه الحادثة ردود فعل فورية؛ حيث أعلن الحرس الثوري الإيراني عبر منصة تليغرام أن هجماته الأخيرة جاءت ردًا مباشرًا على استهداف الناقلة، زاعمًا أن قواته تمكنت من ضرب مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين وقاعدة جوية أخرى في المنطقة، ومحذرًا من أن زعزعة أمن المضيق ستكلف الجيش الأمريكي المعتدي ثمنًا باهظًا.
وسرعان ما نفت القيادة المركزية الأمريكية هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً عبر منصة (X)، مؤكدة أن جميع الهجمات الإيرانية ضد القوات الأمريكية قد باءت بالفشل ولم تحقق أهدافها.
تأتي هذه المواجهات الميدانية المحتدمة بعد يوم واحد من تهديد طهران بالتخلي التام عن محادثات السلام، احتجاجًا على خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرامية لقصف أهداف تابعة لحزب الله في العاصمة اللبنانية بيروت.
تعثر السلام وشروط ترامب
ورغم هذا الانسداد الميداني، دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منتقديه هذا الأسبوع إلى "الجلوس والاسترخاء"، معربًا عن قناعته بأن طهران ترغب حقًا في التوصل إلى اتفاق سيكون جيدًا ومجزيًا للولايات المتحدة.
ونقلت وسائل إعلام أمريكية أن ترامب طلب بالفعل إدخال تعديلات على شروط اتفاق السلام المحتمل بعد اجتماعه بكبار مساعديه لمناقشة تمديد إطار عمل وقف إطلاق النار.
ترتبط هذه التعديلات مباشرة بالوضع في مضيق هرمز وإلزام إيران بإخراج اليورانيوم عالي التخصيب، فضلاً عن وضع إطار جديد لإعادة فتح المفاوضات حول برنامجها النووي.
في المقابل، خرج المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، لينفي رسميًا طرح هذه المسائل على طاولة البحث، منتقدًا واشنطن بكونها تغير آراءها باستمرار وتقدم مطالب متناقضة وجديدة.
وعلى المسار السياسي الداخلي في واشنطن، تزامنت هذه المناوشات مع أول مثول علني لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أمام الكونغرس منذ اندلاع الحرب، حيث أدلى بشهادته أمام لجنة مجلس الشيوخ نافيًا بدوره أن يكون المفاوضون الأمريكيون قد عرضوا على طهران أي تخفيف للعقوبات مقابل إعادة فتح المضيق.
وأكد روبيو أن أي رفع للعقوبات يظل مشروطًا بـمعالجة الأسباب الأساسية التي فُرضت من أجلها في المقام الأول، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني.
ورغم قتامة المشهد الميداني، أبدى الوزير الأمريكي تفاؤلاً حذرًا بإمكانية التوصل إلى تسوية، مشيرًا إلى أن الإيرانيين وافقوا على التفاوض بشأن جوانب في برنامجهم النووي كانوا يرفضون مجرد التطرق إليها قبل شهر أو عام مضى.
ونوه روبيو بأن هذا التطور لا يضمن بالضرورة التوصل إلى اتفاق نهائي يرتضيه مجلس الشيوخ أو الشعب الأمريكي، لكنه يمثل فرصة حقيقية لإشراك طهران في عملية ديبلوماسية تختبر المدى الذي يمكن أن تصل إليه.










