أثار التراجع الأخير للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تعامله مع الملف الإيراني تساؤلات أعمق من كونه مجرد خطوة تكتيكية عابرة، بعدما قرر مرة أخرى تمديد وقف إطلاق النار مع طهران. وجاء هذا القرار بعد فترة وجيزة من إطلاقه تحذيرات حادة شدد فيها على أنه لن يستمر في ما وصفه بسياسة “اللطف” إذا لم تستجب الجمهورية الإسلامية لمطالبه.
وقد سارع منتقدو ترامب إلى السخرية من هذا التحول، معتبرين أنه يعزز الصورة المتداولة عنه بأنه كثير التراجع عن مواقفه، خاصة بعد أن بدا وكأنه يتخلى عن خط أحمر جديد حدده بنفسه قبل أيام. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا التراجع قد يكون أقل كلفة مقارنة بخيار التصعيد العسكري، الذي قد يؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا الأمريكيين والإيرانيين في حرب توصف بأنها غير محسوبة العواقب، فقط من أجل الحفاظ على صورة سياسية متشددة.
ويعيد هذا الجدل طرح تساؤلات تاريخية حول جدوى الحروب، من بينها ما قاله جون كيري خلال شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ عام 1971، حين تساءل: كيف يمكن مطالبة جندي بأن يكون آخر من يموت بسبب خطأ سياسي؟ ويبدو أن هذا التساؤل لا يزال حاضرًا في سياق النقاش الحالي حول قرارات الحرب والسلام.
وفي الوقت نفسه، ألقى قرار ترامب بتمديد وقف إطلاق النار بظلال من الشك على قدرته في إدارة الأزمات العسكرية، خاصة في ظل رفض إيران المشاركة في محادثات كان من المفترض أن تُعقد في إسلام آباد بهدف التوصل إلى تسوية. وقد أدى ذلك إلى بقاء نائب الرئيس جيه دي فانس في حالة انتظار دون تحقيق أي تقدم فعلي.
تعقيدات دبلوماسية
أوضح ترامب، عبر منصة "تروث سوشيال"، أنه قرر تعليق الهجمات العسكرية استجابة لطلب من باكستان، بهدف منح إيران فرصة لتقديم مقترحات خلال المحادثات، إلى حين الانتهاء منها. كما أشار إلى أن العملية التفاوضية تواجه صعوبات كبيرة بسبب الانقسامات الحادة داخل القيادة الإيرانية، ما يجعل التوصل إلى موقف موحد أمرًا معقدًا.
وفي السياق ذاته، نقلت CNN عن مسؤولين أمريكيين كبار اعتقادهم أن زيارة نائب الرئيس إلى باكستان لم تكن ذات جدوى، في ظل غياب رد إيراني واضح على المقترحات الأمريكية. وأرجع هؤلاء المسؤولون ذلك إلى عدم توصل القيادات الإيرانية إلى توافق داخلي بشأن كيفية التعامل مع المفاوضات، خاصة فيما يتعلق بملف اليورانيوم عالي التخصيب.
وأضافت المصادر أن أحد العوامل التي تزيد من تعقيد المشهد يتمثل في غياب توجيهات واضحة من مجتبى خامنئي، وهو ما قد يحد من قدرة المسؤولين الإيرانيين على اتخاذ قرارات حاسمة أو تقديم تنازلات.
ورغم هذه التفسيرات، يرى بعض المحللين أن الإشارة إلى الانقسامات داخل إيران قد تُستخدم كغطاء لتبرير التراجع الأمريكي، خاصة أن الشكوك حول قدرة طهران على التفاوض ليست جديدة. كما أن الضربات الإسرائيلية التي استهدفت شخصيات قيادية بارزة داخل إيران ساهمت في تعقيد المشهد السياسي، وأضعفت قنوات اتخاذ القرار التي كانت ضرورية لإبرام أي اتفاق.
فشل استراتيجية ترامب
تكشف هذه التطورات عن أحد أبرز أوجه الإخفاق في استراتيجية ترامب، التي اعتمدت على التهديد باستخدام قوة عسكرية ساحقة لإجبار إيران على تقديم تنازلات. فقد أظهرت الوقائع أن هذه المقاربة لم تحقق أهدافها، بل أدت إلى تآكل مصداقية التهديدات الأمريكية في نظر طهران، التي باتت أقل تأثرًا بالتصريحات التصعيدية.
وفي المقابل، تمكنت إيران من استثمار عامل الوقت لصالحها، حيث عززت من موقعها التفاوضي عبر تأخير الرد على الدعوات الأمريكية للمحادثات، ما جعلها تبدو في موقف أقوى. كما أن تردد الرئيس الأمريكي في الانخراط في حرب جديدة يعكس حالة من الحذر، قد تكون طهران قد استفادت منها لتعزيز قدراتها الردعية، خاصة في منطقة الخليج.
وفي هذا الإطار، أكد داني سيترينوفيتش أن التصريحات الأمريكية لم تعد تؤثر في حسابات إيران، مشيرًا إلى أن القيادة الإيرانية ترى نفسها في موقع متقدم، وأن أي اتفاق محتمل يتطلب من واشنطن القبول بشروط سبق أن طرحتها طهران.
أما فيما يتعلق بالمستقبل، فيرى بعض المراقبين أن تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير محدد قد يفتح الباب أمام مسار دبلوماسي، رغم أن المفاوضات مع إيران معروفة بطولها وتعقيدها. وكلما طال أمد التهدئة، تراجعت احتمالات عودة التصعيد، خاصة أن كلفة خرق وقف إطلاق النار قد تصبح أعلى سياسيًا وعسكريًا.
ومن ناحية أخرى، قد يوفر هذا التمديد متنفسًا لترامب على الصعيد الداخلي، إذ قد يساعد في تقليل الضغوط المرتبطة بالحرب، سواء من حيث تأثيرها على الاقتصاد العالمي أو على شعبيته السياسية، لا سيما مع اقتراب استحقاقات انتخابية مهمة.
تحديات مستمرة أمام وقف الحرب
ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، إذ لا يزال مضيق هرمز مهددًا بالإغلاق، وهو ما يشكل خطرًا مباشرًا على إمدادات الطاقة العالمية. كما أن إيران لا تزال تحتفظ بمخزون من اليورانيوم عالي التخصيب، ما يمنحها القدرة على إعادة بناء برنامجها النووي، حتى في حال تعرض منشآتها لأضرار.
ويواجه الوسطاء الدوليون، ومن بينهم باكستان، تحديًا معقدًا يتمثل في إيجاد صيغة تسمح لكل طرف بإعلان تحقيق مكاسب، بما يمهد لتقدم في المفاوضات. ومن بين السيناريوهات المطروحة، إمكانية التفاوض على تخفيف الحصار البحري مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، تمهيدًا للانتقال إلى ملفات أكثر تعقيدًا مثل البرنامج النووي والصواريخ والعقوبات.
وفي هذا السياق، أشاد ريتشارد هاس بنهج التريث، معتبرًا أن منح إيران فرصة لطرح حلول قد يكون أكثر فاعلية من فرض شروط أمريكية مباشرة قد تُقابل بالرفض.
ورغم ذلك، لا توجد ضمانات حقيقية لنجاح هذا المسار، في ظل تعقيدات المشهد السياسي داخل إيران واستمرار الضغوط الاقتصادية. كما أن القيادة الإيرانية قد لا تكون مستعدة للتخلي عن أوراقها الاستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بالسيطرة على مضيق هرمز، الذي يمثل أداة ضغط حيوية في مواجهة أي تهديدات مستقبلية.
وفي حين تشير بعض التقديرات إلى أن الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية أضعفت بعض قدرات إيران، فإن التردد في اتخاذ قرارات حاسمة، إلى جانب التناقض في التصريحات والاستراتيجية، قد يضع الولايات المتحدة أمام مخاطر تراجع استراتيجي، ما لم يتم استثمار التهدئة الحالية لإيجاد مخرج دبلوماسي شامل ومستدام للأزمة.
اقرأ أيضًا:
بعد تمديد الهدنة.. كيف تبدلت لهجة ترامب تجاه إيران في الأيام الماضية؟
ترامب يكشف عن طبيعة الاتفاق القادم مع إيران
ترامب: إيران "لا خيار أمامها" واتفاق كبير محتمل قريبًا












