داخل مركز المؤتمرات في دافوس بسويسرا، وفي الـ21 من يناير الماضي، كان المشهد يختزل تحولات جيوسياسية عميقة.
هناك، وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يخاطب المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)، محاطًا بفريقه الوزاري الذي ضم وزير الطاقة كريس رايت، ووزير التجارة هوارد لوتنيك، ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، ووزير الخارجية ماركو روبيو، لكن خلف هذه الصورة البروتوكولية، كانت الولايات المتحدة تبدو معزولة بشكل متزايد، بينما يعيد الحلفاء تقييم علاقاتهم مع أكبر اقتصاد في العالم ويفكرون جديًا في المضي قدمًا بمفردهم.
ارتدادات سياسة «أمريكا أولًا»
تشير الوقائع إلى أن العام الجديد شهد اندفاعًا من دول وتكتلات قوية لإعادة ضبط علاقاتها، وتطوير روابط تجارية وشراكات تتجاوز واشنطن التي باتت توصف بأنها أكثر عدائية وتقلبًا.
تأتي هذه التحركات بعد عام كامل من تطبيق الرئيس ترامب لسياسة «أمريكا أولًا» التجارية والخارجية في ولايته الثانية، وهي استراتيجية شهدت توجيه البيت الأبيض ضربات للأصدقاء والخصوم على حد سواء عبر تعريفات تجارية عقابية، وتهديدات إقليمية، في سعي لترسيخ الهيمنة الاقتصادية والجيوسياسية الأمريكية.
لكن هذه الاستراتيجية بدأت تواجه نتائج عكسية، حيث يسعى شركاء الولايات المتحدة لتنويع سياساتهم التجارية، مدفوعين بالحاجة لحماية أنفسهم من «عدم القدرة على التنبؤ» بتصرفات ترامب.
وفي هذا السياق، يرى داميان ما، مدير مركز «كارنيجي الصين» للأبحاث، أن القوى المتوسطة باتت بحاجة لإيجاد وكالتها الخاصة واكتشاف أساليب مختلفة، خاصة في ظل السياسة الخارجية الأمريكية الموضحة في استراتيجية الأمن القومي الصادرة مؤخرًا.
دبلوماسية بلا واشنطن
يتسارع هذا الاتجاه الذي يصفه الخبراء بـ «إعادة المعايرة» من خلال موجة نشطة من الدبلوماسية والصفقات التجارية التي تم السعي إليها منذ بداية العام، وغابت عنها الولايات المتحدة والرئيس ترامب تمامًا.
الصين، على وجه الخصوص، كانت محورًا لهذا النشاط، إذ استقبلت بكين هذا الشهر زيارات من رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، ورئيس الوزراء الأيرلندي مايكل مارتن، ورئيس الوزراء الفنلندي بيتيري أوربو، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
وقد أثمرت هذه التحركات اتفاقًا بين الصين وكندا في أوائل يناير لتقليل الحواجز التجارية، وهو ما أثار رد فعل غاضب من ترامب. وبالتوازي، زار رئيس الوزراء البريطاني ستارمر بكين لإعادة ضبط العلاقات مع الرئيس شي جين بينج، حيث اتفق الجانبان على خفض الحواجز أمام التجارة والسفر.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل حقق الاتحاد الأوروبي تقدمًا في صفقته التجارية مع دول «ميركوسور» (السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية)، ووقع الأسبوع الماضي اتفاقية تجارة حرة طال انتظارها مع الهند.
يوضح داميان طبيعة هذه التحالفات الجديدة قائلًا: «ستصطف الدول بناءً على مصالح محددة "حسب الطلب"، بدلًا من اصطفاف شامل قائم على القيم». ويؤكد أن هذا ليس عودة لعقلية الحرب الباردة المقسمة، بل «إعادة معايرة» للمصالح الوطنية، متوقعًا «طوفانًا من الدول التي تعيد معايرة نهجها» تجاه القوى العظمى.
توترات لفظية ومخاطر محسوبة
جاءت هذه الاجتماعات والاتفاقات في أعقاب خطاب ترامب في دافوس، الذي تضمن انتقادات وإهانات لعدد من القادة، بمن فيهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني، معتبرًا أن «أوروبا لا تسير في الاتجاه الصحيح».
وتؤكد خيمينا بلانكو، كبيرة المحللين في شركة استخبارات المخاطر «فيريسك مابلكروفت»، وجود تدهور ملموس في طريقة تواصل الولايات المتحدة مع حلفائها. وتقول بلانكو: «تظهر بياناتنا التي تقيس التوترات اللفظية بين الدول تدهور العلاقات الأمريكية مع بعض الحلفاء الرئيسيين خلال العام الماضي». وتشير البيانات إلى أن «أشد الارتفاعات سُجلت مع كندا، والدنمارك، وبلجيكا، واليابان، وأيرلندا، ونيوزيلندا، وفرنسا»، مما يعكس تأثير التبادل العلني والمتوتر للتصريحات بين المسؤولين الأمريكيين ونظرائهم.
التنويع بدلًا من الطلاق
رغم هذه التوترات، يشبه المحللون هذه الفترة بأنها «مرحلة وعرة» وليست مبررًا للطلاق الكامل. فالحلفاء، وفقًا لبلانكو، يميلون للرد عبر تنويع انكشافهم الاقتصادي وتوسيع التجارة مع الأسواق الناشئة الكبيرة ومع بعضهم البعض، حيث تعد الأسواق الناشئة «الرابح الأكبر» من هذا التنويع.
وتضيف بلانكو أن الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان وأستراليا والمملكة المتحدة «لا يستطيعون تحمل تكلفة فك الارتباط مع الولايات المتحدة».
ويتفق إيفان كراستيف، رئيس مركز الاستراتيجيات الليبرالية، مع هذا الطرح، مشيرًا في تقرير لبنك جولدمان ساكس إلى أن أوروبا تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة، ليس فقط أمنيًا، بل تكنولوجيًا واقتصاديًا أيضًا، مما يجعل خيار «الطلاق» غير مفضل حاليًا.
ويضيف كراستيف: «بالنسبة لأوروبا، رغم كثرة الحديث عن إيجاد حلفاء جدد، فإن التحالف مع الآخرين لن يكون عملية سريعة أو سهلة»، لافتًا إلى أن أوروبا ستركز بدلًا من ذلك على إظهار أهميتها للولايات المتحدة.
نهاية «في الوقت المحدد».. وبداية «تحسبًا للظروف»
في المحصلة، يرى جوزيف باركس، المحلل الأول في «فيريسك مابلكروفت»، أن الولايات المتحدة، رغم كل شيء، «أكبر من أن يتم عزلها» نظرًا لأهميتها القصوى في مجالات التكنولوجيا والتجارة والعملة والأمن.
ومع ذلك، فإن الهدف طويل الأمد للحلفاء الرئيسيين هو إعادة توازن علاقاتهم العالمية.
هذا التغيير سيطال طبيعة العولمة نفسها؛ حيث سيخلق تجزئة التجارة تجمعات جديدة ومختلفة من الدول الساعية لزيادة مرونتها الاقتصادية. وقد أدت التقلبات الأخيرة، بحسب باركس، إلى تسريع التحول بعيدًا عن نموذج «في الوقت المحدد» في سلاسل التوريد، نحو نموذج «تحسبًا للظروف».
وتتجه الشركات الآن نحو استراتيجيات «دعم الأصدقاء» و«التقريب» لتأمين المواد من حلفاء موثوقين، بينما تسعى الحكومات لتوسيع الاتفاقيات التجارية لتقليل الاعتماد الحصري على أي دولة بمفردها، في عالم يصف فيه جوزيه مانويل باروسو الرئيس ترامب بأنه الشخص الذي يُحدث تغييرًا جذريًا وفوضويًا في النظام القائم، سواء أحبوه أم لا.











