في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979، تحولت إيران إلى جمهورية إسلامية ثيوقراطية - تجمع بين السلطتين المنتخبة والدينية - ترتكز على مبدأ "ولاية الفقيه"، حيث يمثل المرشد الأعلى السلطة العليا ويمارس السيطرة المطلقة على المؤسسات السياسية، والعسكرية، والأمنية، والاقتصادية. بينما تمتلك الحكومة المدنية، بما فيها الرئاسة والبرلمان، صلاحيات شكلية، إذ تتركز القرارات الاستراتيجية الفعلية في يد المرشد الأعلى ومؤسساته المقربة.
هرم السلطة الإيرانية
يشمل ترتيب السلطة في إيران 7 مستويات تضم شخصيات مختلفة الصلاحيات:
المرشد الأعلى
يقع المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، على رأس هرم السلطة في إيران، كخليفة للخميني الذي أسس الجمهورية الإسلامية.و بموجب الدستور، يحدد المرشد السياسة العامة للدولة ويشرف على عمل جميع المؤسسات التنفيذية والقضائية والعسكرية، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة والقوة الفاعلة وراء القرارات الأمنية والخارجية.
ويمتلك المرشد سلطة تعيين وعزل القادة العسكريين، ورؤساء القضاء، ورؤساء المؤسسات الإعلامية، ونصف أعضاء مجلس صيانة الدستور. ويُعطي سلطاته لممثليه المنتشرين في جميع مؤسسات الدولة، الذين يتجاوز عددهم ألفي شخص، ويتمتعون بنفوذ يفوق وزراء الحكومة في بعض المجالات. وبموجب التعديلات الدستورية التي أٌجريت في عام 1989، يتمتع المرشد بتعيين مدى الحياة.
الرئيس
يُعدّ الرئيس ثاني أعلى منصب في هرم السلطة الإيرانية ويأتي عن طريق الانتخاب، لكنه يضطلع بدور محدود نسبيًا. إذ يتركز عمله على الشؤون اليومية مثل إدارة الاقتصاد والسياسة الداخلية وتوقيه المعاهدات، ويعمل تحت إشراف مباشر للمرشد الأعلى. وعلى الرغم من حضوره الإعلامي، لا يمتلك الرئيس السيطرة الفعلية على القوات المسلحة أو أجهزة الأمن، ويكون دوره شكليًا في كثير من القرارات الاستراتيجية.
وعلى سبيل المثال، محمد خاتمي، الذي انتُخب عام 1997، لم يستطع ممارسة نفوذ واسع على السياسات العسكرية أو نشاطات الحرس الثوري، رغم شعبيته الكبيرة التي بلغت حوالي 70% من أصوات الناخبين. ويرى مراقبون أن تلك الازدواجية المؤسسية الهدف منها هو حماية المرشد الأعلى في وقت الاضطرابات الاقتصادية والاحتجاجات، في الوقت الذي يتحمل الرئيس صاحب الصلاحيات المحدودة تبعات أي فشل إداري.
البرلمان
البرلمان الإيراني، أو مجلس الشورى، هو هيئة تشريعية أحادية المجلس تتألف من 290 عضوًا يُنتخبون كل أربع سنوات. وينحصر دوره في صُوغ التشريعات والمصادقة على الميزانية والمعاهدات الدولية ومحاسبة المسؤولين. ومع ذلك، يخضع البرلمان لرقابة مجلس صيانة الدستور، الذي يمكنه إلغاء ما يصل إلى 40% من قوانينه إذا رأى تعارضها مع الشريعة أو الدستور. ورغم محدودية نفوذ البرلمان، لكنه يبقى نافذة للمناقشات العامة ويتيح للنواب التعبير عن هموم المواطنين، خصوصًا في المناطق الريفية.
مجلس الخبراء
يتألف مجلس الخبراء من 86 رجل دين منتخبين لمدة ثماني سنوات، ويكلف المجلس أساسًا بانتخاب وتأكيد ولاية المرشد الأعلى. يجتمع المجلس لمدة أسبوع واحد سنويًا، وتفتقر جلساته إلى الشفافية، إذ لم يُعرف عنه قط الطعن في أي من قرارات المرشد. ويشبه في طبيعته مجمع الكرادلة في الفاتيكان من حيث الغموض والسلطة الرمزية. كما يختص بمراقبة أداء الرشد الأعلى وله صلاحيات عزله.
مجلس صيانة الدستور (الأوصياء)
يتألف مجلس الأوصياء من اثني عشر قاضيًا، نصفهم يعينه المرشد الأعلى، والنصف الآخر يُرشح من رئيس السلطة القضائية ويُصادق عليه البرلمان. ويتمتع المجلس بسلطة تفسير الدستور ومراجعة القوانين للتأكد من توافقها مع الشريعة الإسلامية، ويحدد أهلية المرشحين للرئاسة والبرلمان، ما يمنحه قدرة على التأثير الكبير في العملية السياسية.
مجلس تشخيص مصلحة النظام
أنشأه الخميني عام 1988 لحل النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، ويعمل اليوم كمستشار للمرشد الأعلى. ويرأس المجلس حاليًا الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، ويهيمن عليه الأعضاء المحافظون، ما يجعله أحد أقوى الهيئات في اتخاذ القرارات السياسية والاستراتيجية. ويتم اختيار أعضاءه من قِبل المرشد الأعلى ويتبعه بشكل مباشر.
السلطة القضائية
يخضع القضاء الإيراني لسيطرة المرشد الأعلى، الذي يعين رئيس السلطة القضائية، ورؤساء المحكمة العليا والنيابة العامة. وتشمل المحاكم العامة القضايا المدنية والجنائية، بينما تتولى المحاكم الثورية والقضائية الخاصة التعامل مع الجرائم السياسية والأمنية والجرائم المرتبطة برجال الدين. أحكام هذه المحاكم نهائية وغير قابلة للاستئناف، ما يعزز سلطة النظام الديني على المجتمع.
الأمن القومي والاستخبارات
ينقسم هذا الجزء من هيكل الحكم في إيران إلى 4 جهات أساسية وهي:
المجلس الأعلى للأمن القومي
يُنسق المجلس السياسة الأمنية والعسكرية والاقتصادية، ويضم رئيس الجمهورية، رئيس البرلمان، رئيس القضاء، وزراء الخارجية والداخلية والاستخبارات، وقادة الجيش والحرس الثوري. وعلى الرغم من أن الرئيس يترأس المجلس، إلا أن المرشد الأعلى يحدد جميع توجيهاته ويملك السيطرة الفعلية على القرارات.
الجيش النظامي
يُكلف الجيش النظامي بحماية الحدود واستقلال الأراضي، وهو أكثر تجهيزًا تقنيًا من الحرس، لكن نفوذه محدود مقارنة بالحرس الثوري. ورغم ذلك، استثمرت الدولة مليارات الدولارات لتحديث الأسلحة والمعدات، إلا أن القدرات التشغيلية ما زالت محدودة نظرًا لحجم التحديات الأمنية ومساحة البلاد.
الحرس الثوري الإسلامي (IRGC)
يُعد الحرس الثوري القوة الحقيقية المسيطرة على السياسة الداخلية والخارجية، ويشرف على الباسيج - مجموعات شعبية شبه عسكرية - والميليشيات شبه العسكرية. ويمتلك الحرس فصائل خارجية مثل فيلق القدس، ويدير مشروعات اقتصادية ضخمة وشركات خاصة، ما يمنحه استقلالية مالية وسياسية كبيرة. كما يلعب دورًا رئيسيًا في دعم حركات حليفة لإيران في لبنان، العراق، سوريا واليمن، ويُعتبر الضامن الرئيس لاستمرار سلطة المرشد الأعلى.
ويسيطر الحرس الثوري أيضًا على قطاعات حيوية اقتصادية مثل "خاتم الأنبياء" وهو الذراع الاقتصادي للسلطة الإيرانية، والذي يهيمن على قطاع الإنشاءات والاتصالات ومشروعات البنية التحتية والنفط والغاز. كما انها مسؤولة عن تمويل عمليات الحرس الثوري والالتفاف على العقوبات.
وزارة الاستخبارات والأمن (MOIS)
تعمل وزارة الاستخبارات والأمن تحت إشراف مباشر للمرشد، وهي مسؤولة عن مراقبة المعارضة وحماية النظام داخليًا وخارجيًا، بما في ذلك العمليات السرية في الخارج. ويُعتقد أن الوزارة تدير أنشطة استخباراتية معقدة عبر السفارات والمراكز الإيرانية في الخارج، وتلعب دورًا مهمًا في الحفاظ على السيطرة الأمنية والسياسية للنظام.
اقرأ أيضًا:
رحلة بلورة النظام الإيراني.. محطات سياسية فارقة
27 عامًا من الغضب الشعبي… لماذا لا تهدأ إيران؟
ماذا لو سقط النظام الإيراني؟ السيناريوهات المستقبلية












