يطرح تصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إيران تساؤلات متزايدة حول مستقبل النظام الحاكم، واحتمالات التغيير الجذري في بنية السلطة. ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، وتزايد الضغوط الداخلية والدولية، يبرز سؤال محوري: ماذا لو سقط النظام الإيراني؟ سيناريوهات متعددة تطرح نفسها، تتراوح بين انتقال سياسي منظم، أو الانقلاب العسكري، أو إعادة تشكّل النظام بأشكال جديدة، في مشهد معقد يحمل تداعيات عميقة على الداخل الإيراني والمنطقة بأسرها.
سقوط نظام في إيران لن يكون مجرد تحوّل داخلي في بنية الحكم، بل سيُنظر إليه بوصفه زلزالًا جيوسياسيًا من شأنه إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، يحدّد خبراء ومحللون ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة لمستقبل إيران وتداعياته الإقليمية والدولية:
سيناريو الانتقال الديمقراطي المنظم
يفترض هذا السيناريو نجاح ائتلاف واسع من قوى المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج في التوافق على خريطة طريق انتقالية تقود إلى تفكيك تدريجي لمنظومة الحكم القائمة، وتأسيس مرحلة انتقالية بإشراف ودعم دولي وضمانات قانونية. ويتجسّد ذلك في تشكيل حكومة انتقالية مؤقتة تتولى إدارة شؤون البلاد، وتهيئة المناخ السياسي والأمني لإجراء انتخابات حرّة ونزيهة، ووضع أسس التحول السياسي.
داخليًا، يقوم المسار الانتقالي على صياغة دستور جديد يكرّس الفصل بين الدين والدولة، ويضمن الحقوق والحريات الأساسية، مع تبنّي نظام حكم أكثر شمولًا، قد يتخذ طابعًا فيدراليًا لاستيعاب مطالب الأقليات القومية، ولا سيما الأكراد والبلوش والعرب، وحماية حقوقهم السياسية والثقافية ضمن إطار الدولة.
وعلى الصعيد الخارجي، يفترض السيناريو معالجة الملفات الخلافية، وفي مقدمتها البرامج النووية المثيرة للجدل، والدخول في تفاهمات واتفاقيات سلام إقليمية، بما يمهّد لعودة إيران إلى المجتمع الدولي واندماجها مجددًا كـ فاعل اقتصادي طبيعي في سوق النفط العالمي، مع رفع تدريجي للعقوبات وتحسّن العلاقات مع القوى الدولية.
يرى كريم سجادبور، زميل اول بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي والمتخصص في الشؤون الإيرانية والسياسة الخارجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط، أن الوضع القائم في إيران لم يعد قابلًا للاستمرار. ويشير إلى أن البلاد تمتلك جميع المقومات التي تؤهلها لتكون ضمن دول مجموعة العشرين، من حيث شعب متعلّم ومنفتح على العالم، وموارد طبيعية كبيرة، وهوية حضارية راسخة يعتز بها الإيرانيون.
كما لفت سجادبور إلى أن الظروف الدولية الحالية غير مواتية للديمقراطيين الإيرانيين، في ظل تراجع الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية عن أدوارها التقليدية في دعم التحول الديمقراطي، وانشغالها بتحديات داخلية أضعفت التزامها الخارجي. وفي هذا السياق، يؤكد أنه في حال انهيار النظام في المدى القريب، فإن البديل السلطوي سيكون الأوفر حظًا لتولي السلطة مقارنة بالنموذج الديمقراطي.
ويضيف أن إيران مرشحة، على الأرجح، لأن تسير في التيارات الإقليمية والدولية الأوسع، حيث يتصاعد نفوذ القادة السلطويين الذين يقدّمون الاستقرار والحفاظ على النظام على وعود الحرية. ورغم إشارته إلى وجود "بصيص من النور في نهاية النفق"، يرى أن الديمقراطيين الإيرانيين ما زالوا في طور بناء هذا المسار.
ويخلص سجادبور إلى أن المجتمع الإيراني مهيأ لنظام ديمقراطي تمثيلي، إلا أن الانتقال من السلطوية نادرًا ما يُحسم عبر التنافس الشعبي وحده، بل غالبًا ما تحدده الجهة التي تمتلك أدوات القوة والقسر. ومن ثمّ، فإن المرحلة المقبلة قد تتسم بطابع غير ليبرالي، ما لم تنجح قوى المعارضة الليبرالية والديمقراطية في تنظيم صفوفها وبناء بديل سياسي متماسك.
سيناريو "الانقلاب العسكري"
يفترض هذا السيناريو أن الحرس الثوري الإيراني (IRGC) قد يُقدم، في لحظة أزمة حادة، على الانقلاب على القيادة الدينية بهدف إنقاذ نفسه والنظام من السقوط تحت ضغط الغضب الشعبي. ويرى محللون أن الحرس، بوصفه القوة الأكثر تنظيمًا وتسليحًا، قد يسعى إلى ملء أي فراغ في السلطة للحفاظ على نفوذه ومصالحه.
وتتمثل النتيجة المحتملة في تحوّل إيران من «ثيوقراطية دينية» إلى «دكتاتورية عسكرية ذات طابع قومي»، مع احتمال تخفيف بعض القيود الاجتماعية—مثل تطبيق قوانين الحجاب—لامتصاص الاحتقان، مقابل تشديد القمع السياسي وضمان استمرار الهيمنة الاقتصادية للحرس الثوري.
ويتسق هذا الطرح مع تحليلات قدّمها ري تكييه، الخبير في الشؤون الإيرانية لدى مجلس العلاقات الخارجية. ففي مقاله المنشور في 20 يونيو 2025 بعنوان “Iran’s Regime Rattled but Resilient—So Far”، يشير تكييه إلى أن الحرس الثوري—على الرغم من تراجعه النسبي عقب ضربات استهدفت بعض قادته—لا يزال يحتفظ بدور مركزي داخل النظام ونفوذ واسع عبر مفاصل السلطة. ويؤكد أن الحرس جزء من بنية حكم متعددة الطبقات يصعب تفكيكها سريعًا، ويلعب دورًا رئيسيًا في فرض الضبط الداخلي ودعم السياسات الدفاعية والإقليمية. كما يلفت إلى أن تقويض سلطة القائد الأعلى يواجه تحديات كبيرة، إذ يبقى الحرس قوة مسلحة محورية تتبع مباشرة للقيادة العليا، ما يجعله لاعبًا حاسمًا في أي سيناريو انتقالي محتمل.
سيناريو "الصوملة" أو التفكك
يفترض هذا السيناريو أن غياب بديل سياسي موحّد قد يدفع إيران إلى انزلاق طويل الأمد نحو حرب أهلية، في ظل تفكك السلطة المركزية وعجز قوى المعارضة عن تقديم إطار انتقالي جامع.
ويشكل التفكك العِرقي أحد أخطر ملامح هذا المسار، إذ قد تستغل القوميات في الأطراف—مثل كردستان وسيستان وبلوشستان وخوزستان—أي فراغ أمني للمطالبة بالانفصال أو الحكم الذاتي، ما يهدد بجرّ تركيا والعراق وباكستان إلى صراعات إقليمية متداخلة.
أما الفراغ الأمني، فينطوي على مخاطر مضاعفة، أبرزها احتمال وقوع أسلحة متقدمة، بما فيها منشآت أو مواد نووية، في أيدي ميليشيات غير منضبطة، وهو ما قد يحوّل الأزمة الداخلية إلى تهديد إقليمي ودولي واسع.
وفي هذا الإطار، يحذّر تقرير صادر عن جمعية هنري جاكسون البريطانية، من أن انهيار النظام الإيراني قد يؤدي إلى فراغ في الحكم يعقبه اندلاع حرب أهلية. ويؤكد التقرير أن تجنّب هذا السيناريو يجب أن يكون أولوية قصوى للشعب الإيراني، ما يستلزم اتخاذ كل الخطوات الكفيلة بضمان انتقال سريع وسلس للسلطة.
ويشير التقرير إلى أن منع الحرب الأهلية يتطلب دعم معارضة فعّالة وقادرة على الحكم، محذرًا في الوقت نفسه من أن انتظار انهيار النظام من تلقاء نفسه أمر مستبعد للغاية. كما تنبّه المنظمة إلى أن سقوط النظام لا يضمن تلقائيًا قيام دولة مركزية متماسكة تمثل جميع المكوّنات العرقية، محذّرة من صراعات سلطة لامركزية قد تتفجر في غياب إطار وطني جامع.
اقرأ أيضًا:
العقوبات الأمريكية على إيران.. 4 عقود من الضغط السياسي
حقوق الإنسان في إيران.. انتهاكات مستمرة وتنديد دولي متزايد
الرؤساء الإيرانيون.. شخصيات رسمت مسار إيران السياسي









