منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، شهدت إيران سلسلة من الرؤساء الذين جاءوا من خلفيات سياسية وأيديولوجية متنوعة، تراوحت بين الإصلاحيين والمعتدلين والمتشددين. كل رئيس ترك بصمته في مسار الجمهورية الإسلامية، سواء من خلال السياسات الداخلية، مثل الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، أو على الصعيد الخارجي والدبلوماسي، بما في ذلك العلاقات مع الغرب وبرامج التخصيب النووي.
نظام الحكم في إيران
يعتمد نظام الحكم الإيراني على مزيج فريد من السلطة الدينية والسياسية، حيث يتصدر المرشد الأعلى هرم السلطة ويملك السيطرة الكاملة على السياسات الاستراتيجية للدولة. ويشرف المرشد على الأجهزة الأمنية والاستخباراتية ويملك صلاحيات واسعة تشمل تعيين وإقالة كبار المسؤولين في الجيش والإعلام والقضاء، كما يعين نصف أعضاء مجلس صيانة الدستور. ويمنح الدستور الإيراني المرشد قيادة القوات المسلحة والقدرة على التأثير المباشر في جميع المجالات السياسية العليا، ما يجعله السلطة الفعلية التي تفوق منصب الرئيس.
في المرتبة الثانية يأتي منصب رئيس الجمهورية وهو المركز التنفيذي الثاني في الدولة، ويتم انتخابه شعبيًا، إلا أن قراراته الكبرى في السياسة الخارجية والأمن والاقتصاد تبقى خاضعة لموافقة المرشد الأعلى.
ويعد مجلس صيانة الدستور الهيئة المسؤولة عن الإشراف على الانتخابات ومراقبة القوانين للتأكد من توافقها مع الشريعة والدستور، ويتكون من 12 عضوًا يعين نصفهم المرشد، في الوقت ذاته، يمثل الحرس الثوري الإيراني (IRGC) قوة عسكرية وسياسية موازية، تابعة مباشرة للمرشد، وتلعب دورًا رئيسيًا في الاقتصاد والسياسة الداخلية والخارجية.
وفيما يلي أبرز الرؤساء المتعاقبين على الحكم في إيران:
أبو الحسن بني صدر (1980–1981)
انتُخب أبو الحسن بني صدر أول رئيس للجمهورية الإسلامية الإيرانية في يناير 1980 بعد الثورة الإسلامية مباشرة. وكان اقتصاديًا وسياسيًا معتدلًا نسبيًا، وعُرف بمواقفه الإصلاحية وأفكاره حول الاقتصاد الإسلامي والتأميم الشامل للصناعات الخاصة والبنوك وشركات التأمين.
شهدت رئاسته صراعات حادة مع رجال الدين، خصوصًا مع حزب الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله محمد بهشتي، حول السيطرة على الوزارات واللجان الثورية والمحاكم الثورية. كما حاول إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين خلال أزمة السفارة، ودافع عن الجيش النظامي - الذي كان قائده - في الحرب العراقية الإيرانية، في مواجهة دعم رجال الدين للحرس الثوري.
وفي البداية حظي بدعم الخميني الذي تميز بمواقفه الدينية الصارمة، لكنه فُقد مع مرور الوقت نتيجة تصاعد النزاعات مع مجلس الشورى وخصومه من رجال الدين، ليتم عزله في يونيو 1981 بأغلبية ساحقة، وفرّ بعدها إلى المنفى في فرنسا ليؤسس مع مسعود رجوي المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية لكنه انفصل لاحقًا عن الجماعة بسبب خلافات سياسية.
محمد علي رجائي (1981)
دخل محمد علي رجائي تاريخ إيران كرئيس في الثاني من أغسطس 1981، لكن فترة رئاسته كانت قصيرة. فبعد أقل من شهر، قُتل هو ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر في تفجير استهدف مكتب رئاسة الوزراء في طهران، ما أسفر عن مقتل عدة مسؤولين آخرين وأثار صدمة واسعة في البلاد.
وجاء رجائي من أصول متواضعة، وبدأ حياته كمدرس رياضيات قبل أن ينخرط في العمل السياسي والثوري. وكان من أبرز معارضي نظام الشاه وتعرض للاعتقال مرتين. وقبل رئاسته، شغل منصب رئيس الوزراء، خلفًا لمهدي بازركان، بعد صراع سياسي مع الرئيس الأسبق أبو الحسن بني صدر لتعيين شخصية موالية لرجال الدين في الحكومة.
وعلى المستوى السياسي، كان رجائي أحد الموالين المخلصين للخميني وحزب الجمهورية الإسلامية، ودفع بأفكار الدولة في الاقتصاد والتعليم. كما حظر اللغة الإنجليزية في المدارس وأغلق الجامعات التي اعتُبرت مراكز محتملة للمعارضة، مؤكدًا التوجه الإسلامي الصارم للنظام. وعلى الصعيد الشخصي، لم يكن رجائي قوة مستقلة داخل الحكومة، بل كان يُنظر إليه كأداة للقيادات الدينية البارزة مثل بهشتي وبهنر. وسرعان ما فتحت وفاته بعد التفجير الباب لتولي علي خامنئي الرئاسة، وأرسى نهج سيطرة رجال الدين على هذا المنصب في السنوات التالية.
علي خامنئي (1981–1989)
في 13 أكتوبر 1981، تولى علي خامنئي رئاسة إيران، ليصبح أول رجل دين يشغل المنصب في تاريخ الجمهورية الإسلامية، بعد سلسلة تفجيرات استهدفت قادة حزب الجمهورية الإسلامية، أبرزهم الرئيس محمد علي رجائي. كان خامنئي من مؤسسي الحزب ومقربين من الخميني، واستغل الأحداث العنيفة لتعزيز موقعه السياسي، حتى أُطلق عليه لقب "الشهيد الحي" بعد نجاته من محاولة اغتيال في يونيو 1981.
ومع بداية ولايته، كانت صلاحيات الرئاسة محدودة، بينما تولى رئيس الوزراء معظم العمل التنفيذي، لكنه استغل المنصب لتعزيز نفوذه السياسي، بما في ذلك تعيين مير حسين موسوي رئيسًا للوزراء رغم خلافاتهما الأيديولوجية. وبعد وفاة الخميني، ساعد تحالفه مع هاشمي رفسنجاني في إلغاء منصب رئيس الوزراء، ما منح خامنئي السيطرة الكاملة على السلطة العليا. وخلال رئاسته، استمر في تعزيز نفوذه السياسي، مستخدمًا منصبه لتوجيه اختيارات الرؤساء والمنافسين السياسيين، ومنهم محمود أحمدي نجاد ومحمد خاتمي، وترسيخ فكرة أن الجمهورية الإسلامية تمثل حكومة الله على الأرض.
أكبر هاشمي رفسنجاني (1989–1997)
تولى علي أكبر هاشمي رفسنجاني رئاسة إيران في 3 أغسطس 1989 بعد وفاة الخميني، وكان من أقوى الشخصيات السياسية في البلاد. وشارك في تأسيس حزب الجمهورية الإسلامية، وشغل منصب رئيس البرلمان وإمام صلاة الجمعة، ولعب دورًا بارزًا في الحرب ضد العراق وإنهائها عام 1988.
ورغم رئاسته، ظل خامنئي القائد الأعلى، بينما تبنى رفسنجاني دورًا إشرافيًا غير تدخلي، وعمل على إعادة إعمار المدن الغربية والبنية التحتية النفطية، وتشجيع القطاع الخاص، وتحسين العلاقات مع الجيران، وتخفيف القيود الاجتماعية والثقافية. وداخل إيران، قاد حملات قمع ضد الاحتجاجات وواجه انتقادات اقتصادية، بينما ساهم في دعم الإصلاحيين والإعلام بعد ولايته، مع تعزيز نفوذه السياسي في مجلس الخبراء ومجلس تشخيص مصلحة النظام.
محمد خاتمي (1997–2005)
أصبح محمد خاتمي رئيسًا لإيران عام 1997 بدعم من علي أكبر هاشمي رفسنجاني، محققًا فوزًا ساحقًا بأكثر من 70% من الأصوات، مع تأييد واسع من الشباب والنساء. وقبل الرئاسة، شغل منصب وزير الثقافة وامتلك خلفية أكاديمية في الفلسفة وعلم الكلام، ما منحه رؤية إصلاحية داخل النظام الإسلامي.
وخلال ولايته، دفع خاتمي بقضايا الإصلاح إلى الأمام، مركزًا على "المجتمع المدني" و"حوار الحضارات" و"الديمقراطية الإسلامية"، مع تشجيع المشاركة السياسية، لكنه واجه قيود الحرس الثوري والقضاء، وتعامل بحذر مع احتجاجات الطلاب واعتقالات المسؤولين والإعلاميين. وعلى الصعيد الخارجي، عمل على إنهاء عزلة إيران، وحاول تحسين العلاقات مع الغرب ودول المنطقة، بما في ذلك حل النزاعات مع بريطانيا حول قضية سلمان رشدي.
كما أمر خاتمي بإجراء تحقيق في سلسلة جرائم القتل للمثقفين والمعارضين، مؤكدًا رفض تجاوزات النظام. ورغم القيود والمعارضة، تمكن الإصلاحيون في عهده من تحقيق بعض المكاسب في البرلمان، خصوصًا حقوق المرأة. ويُعد إرثه الإصلاحي رمزًا للتغيير السلمي، إذ وسّع النقاش السياسي الإيراني ليشمل حقوق الإنسان والمجتمع المدني، مؤثرًا في الأجيال القادمة.
محمود أحمدي نجاد (2005–2013)
تولى محمود أحمدي نجاد رئاسة إيران عام 2005، ليصبح أول رئيس مدني منذ عام 1981. وفاز المهندس والمدرس السابق، وعمدة طهران السابق، على أكبر هاشمي رفسنجاني مستفيدًا من شعور الناخبين بالإحباط بعد فترة خاتمي، وصوّر رفسنجاني كرمز للنخبة الفاسدة. واعتمد أحمدي نجاد خطابًا شعبويًا يركز على الفئات المحافظة والفقيرة، من خلال توزيع الثروة النفطية وتقديم مساعدات الزواج والسكن، وتوجيه مشاريع ضخمة للحرس الثوري.
وعلى الصعيد الخارجي، تبنى موقفًا متشدّدًا تجاه الغرب، خاصة الولايات المتحدة وإسرائيل وأثارت تصريحاته حول المحرقة جدلًا دوليًا واسعًا، مستفيدًا من اهتمام الإعلام العالمي بتصريحاته الاستفزازية. كما تابع برنامج التخصيب النووي، مما أدى إلى عقوبات دولية واسعة وتراجع قيمة الريال الإيراني.
وشهدت ولايته الثانية أزمة كبيرة بعد انتخابات 2009، مع احتجاجات الحركة الخضراء التي قوبلت بالقمع ودعم خامنئي لأحمدي نجاد. وعلى الرغم من الخلافات مع مؤسسات الدولة، مثل الحرس الثوري والبرلمان، انتهت ولايته بدعم المرشد، تاركًا إرثًا شعبيًا مثيرًا للجدل أثر في السياسة الإيرانية داخليًا وخارجيًا.
حسن روحاني (2013–2021)
بدأت رئاسة حسن روحاني لإيران عام 2013 وأعيد انتخابه عام 2017 بعد أن حصل على 23 مليون صوت. وعُرف كسياسي إصلاحي ودبلوماسي محنك ساعد في إنهاء العزلة الدولية لإيران بعد فترة أحمدي نجاد، وحظي بدعم خامنئي في البداية، قبل أن تتوتر العلاقة بينهما بسبب سياساته الاقتصادية وانتقاده لتدخل الحرس الثوري في شؤون البلاد.
وسعى روحاني داخليًا لإعادة إيران إلى مسار اقتصادي مستقر مع إدخال إصلاحات اجتماعية محدودة، مثل تخفيف الرقابة الإعلامية وتقييد سلطة شرطة الآداب، لكنه لم يفِ بوعده بالإفراج عن قادة الحركة الخضراء، مما أثار انتقادات الإصلاحيين. دوليًا، أشرف على المفاوضات النووية مع مجموعة 5+1 وأبرم اتفاق 2015 لتقليص البرنامج النووي مقابل تخفيف العقوبات، ملتزمًا بالخطوط الحمراء التي وضعها خامنئي. رغم القيود السياسية، ظل روحاني واجهة دبلوماسية لإيران وممثلًا لإصلاحات معتدلة على الصعيد الداخلي.
إبراهيم رئيسي (2021–2024)
كان إبراهيم رئيسي، الرئيس الإيراني في الفترة بين 2021 و2024. وعُرف بلقب "جزار طهران" لدوره في إعدام آلاف السجناء السياسيين عام 1988، وكان من أبرز الموثوقين لدى المتشددين في المؤسسة الدينية والأمنية. وشارك في الثورة ضد الشاه، ثم تولى مناصب قضائية عليا قبل الرئاسة. وفاز رئيسي بالرئاسة عام 2021 بعد استبعاد منافسيه، وركّز على أمن النظام والسياسات الدفاعية مع اهتمام محدود بالاقتصاد أو الاتفاق النووي.
وداخليًا اتبع سياسات قمعية، وتصاعدت الاحتجاجات بعد وفاة جينا مهسا أميني، فيما تصاعدت عدائياته تجاه إسرائيل وحماس، وعمل على تعزيز التعاون الإقليمي مع باكستان وسريلانكا وأذربيجان. وواجه تحديات داخلية كبيرة، بما في ذلك احتجاجات شعبية وأزمات اقتصادية، قبل أن يتوفى في حادث تحطم مروحية أثناء عودته من منطقة الحدود مع أذربيجان.
مسعود بيزِشكيان (2024–الآن)
هو الرئيس الحالي، منذ 28 يوليو 2024، ينتمي للتيار الإصلاحي والمعتدل. وتولى الرئاسة بعد وفاة إبراهيم رئيسي،ويمتلك بيزشكيان خلفية أكاديمية وإدارية، إذ عمل مدرسًا ومحاضرًا في جامعة تبريز قبل أن يصبح مديرها الإداري، وشارك في فرض ارتداء الحجاب بعد وفاة جينا مهسا أميني عام 2022.
وسياسيًا، شغل بيزشكيان منصب نائب وزير الصحة ووزير الصحة في حكومة محمد خاتمي، ثم عضوًا في مجلس الشورى عن تبريز (2008-2024) ونائب رئيسه (2016-2020). وعُرف بانتقاده للحكومة بعد احتجاجات 2009، وترشح للرئاسة ثلاث مرات قبل أن يفوز في 2024 بعد وفاة إبراهيم رئيسي.زعلى المستوى الخارجي، يسعى إلى استعادة الثقة الدولية وإعادة فتح المفاوضات النووية. كما أنه يسعى لتخفيف الاحتقان الداخلي وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
اقرأ أيضًا:
العقوبات الأمريكية على إيران.. 4 عقود من الضغط السياسي
حقوق الإنسان في إيران.. انتهاكات مستمرة وتنديد دولي متزايد
هل تعيد الاحتجاجات المتصاعدة رضا بهلوي إلى المشهد الإيراني؟














