تكمن المفارقة الجوهرية في عالم الجريمة المنظمة، وتحديدًا في قضايا الاتجار بالبشر، في قدرة الجناة على استخدام واجهات شديدة اللمعان والشرعية لاصطياد الضحايا، وفي قضية المعتدي الجنسي والممول الأمريكي الراحل جيفري إبستين، شكلت الأسماء الرئاسية اللامعة ونجوم هوليوود والمشاريع الخيرية الكبرى طعمًا مثاليًا لإخفاء آلة اتجار دولية معقدة، ابتلعت شابات من مختلف قارات العالم.
تتقاطع خطوط هذه الشبكة، بين رحلات الطيران الخاصة التي تحمل رؤساء، وبين فتيات يُسلبن جوازات سفرهن في الجو، وهو ما كشفت عنه الناجية جولييت براينت، في حديثها لشبكة «سي بي إس نيوز»، راويةً تفاصيل سقوطها في الفخ.
«ملك أمريكا» على طاولة العشاء
ففي عام 2002، كانت براينت، وهي مواطنة من جنوب إفريقيا، كانت تبلغ من العمر، حينذاك، 20 عامًا، تدرس علم النفس والفلسفة في مدينة كيب تاون، وتعمل كعارضة أزياء بدوام جزئي، قبل أن يبدأ تفاعلها الأول مع إبستين بمحض الصدفة البحتة، عندما اقتربت منها فتاة أثناء خروجها ليلًا وعرضت عليها تقديمها لرجل وُصف لها بأنه «من العائلة المالكة الأمريكية».
تروي براينت تفاصيل ذلك اللقاء: «قالت إنها تعرف رجلًا هنا هو "ملك أمريكا"، وإنه كان هنا مع بيل كلينتون وكيفن سبيسي وكريس تاكر. أخبرتني أن صديقه المقرب ليزلي ويكسنر يمتلك العلامة التجارية "فيكتوريا سيكريت"، وأنه سيكون من الجيد جدًا أن ألتقي بهم لأن ذلك قد يساعد في مسيرتي المهنية في عرض الأزياء».
توجهت براينت إلى المطعم المجاور حيث كانوا يتناولون العشاء، وتؤكد المشهد قائلة: «وبالفعل، كانوا هناك. بيل كلينتون، وكيفن سبيسي، وكريس تاكر، وجيفري إبستين، وعدد قليل من المسؤولين الحكوميين من جنوب إفريقيا» الذين لا تشير إلى أنهم، كلينتون أو سبيسي أو تاكر، ارتكبوا أي مخالفات.
آلة الاستدراج
في اليوم التالي، تلقت براينت اتصالًا من الفتاة التي رتبت التعارف، تبلغها فيه أن إبستين يرغب في رؤية ملف أعمالها كعارضة، وتشير براينت إلى أن إبستين أبدى إعجابه بعملها: «قال إبستين إنه يعتقد أنني سأكون رائعة لعروض "فيكتوريا سيكريت"، وغادروا في ذلك اليوم، لكن مكتبه بدأ في الاتصال وترتيب تأشيرة لي وتذاكر وكل شيء». وعندما أبدت قلقها لعدم امتلاكها المال، طمأنوها بأن جميع النفقات ستُخصم من الدخل الذي ستحققه هناك.
شكلت سرعة الإجراءات مفاجأة لبراينت، التي توضح قائلة: «رتبوا لي الحصول على تأشيرة للقدوم إلى أمريكا. كانت مثل تأشيرة زائر... ورتبوا هذه التأشيرات بسرعة كبيرة، وهو أمر غير معتاد في جنوب إفريقيا. من الصعب جدًا عادة الحصول على تأشيرة هنا. وفي غضون ثلاثة أسابيع تقريبًا، كنت في أمريكا».
لم يكن هذا الإجراء استثناءً، بل نمطًا مؤسسيًا، حيث تظهر رسائل بريد إلكتروني متعددة، ضمن مجموعة وثائق متعلقة بإبستين أصدرتها وزارة العدل واطلعت عليها «سي بي إس نيوز»، نمطًا يتبعه إبستين في مساعدة الشابات، بما في ذلك فتيات من أوروبا الشرقية، أو تلقي مشورة قانونية حول كيفية تأمين تأشيرات لهن للقدوم إلى الولايات المتحدة.
السقوط في الفخ الكاريبي
بمجرد وصولها إلى نيويورك، أُبلغت براينت أنها ستتوجه إلى منطقة البحر الكاريبي، وتحديدًا إلى جزيرة إبستين الخاصة. ظنت حينها أن الأمر يتعلق بجلسة تصوير لعرض الأزياء، فانتقلوا إلى مطار تيتيربورو حيث كانت الطائرة في الانتظار. وتصف براينت غياب أي إجراءات أمنية: «لم يتم التحقق من أي شيء في أي من هذه المطارات. لم يفحصوا جوازات سفرنا أو أمتعتنا أو أي شيء».
بمجرد صعودها إلى الطائرة، سُحب منها جواز سفرها، وبدأت فصول الاعتداء. تقول براينت: «مع إقلاع الطائرة، بدأ [إبستين] بلمسي عنوة بين ساقي، وأصابني الذعر. أدركت، أن هذه ليست فرصة لعرض الأزياء، لقد اختُطفت»، حيث نُقلت بعد ذلك إلى الجزيرة لتعلق هناك لسنوات، تعرضت خلالها للاتجار، دون ترتيب أي فرص لعرض الأزياء، مشيرة إلى أنها تعرضت «لخداع كامل». وتوثق صورة قدمتها براينت لـ «سي بي إس نيوز» وقوفها في جزيرة «ليتل سانت جيمس» الخاصة بإبستين في جزر فيرجن الأمريكية عام 2002. وفي وقت لاحق، تلقت براينت تعويضات ضمن برنامج تعويض ضحايا إبستين في عام 2020، وتسوية منفصلة مع بنك «جي بي مورجان تشيس» في عام 2023.
سياق التحقيقات وتفرعات الشبكة
يتطابق الإطار الزمني الذي التقت فيه براينت بإبستين في إفريقيا مع الفترة التي أعار فيها الأخير طائرته للرئيس السابق بيل كلينتون في رحلة نظمتها مؤسسة كلينتون، وتُظهر سجلات الرحلات الجوية العامة أن كلينتون غادر في رحلة مدتها تسعة أيام إلى إفريقيا بصحبة الممثلين سبيسي وتاكر، على متن طائرة إبستين الخاصة، في سبتمبر 2002، وشملت الرحلة غانا ونيجيريا ورواندا وموزمبيق وجنوب إفريقيا. ووفقًا لتقرير صدر حينها عن موقع «كيه إف إف هيلث نيوز»، كانت الرحلة تهدف إلى «تعزيز الجهود لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والتنمية الاقتصادية».
من جانبه، ذكر كلينتون في إعلان محلف للجنة الرقابة بمجلس النواب في يناير الماضي، أن إبستين عرض استخدام طائرته الخاصة له ولموظفيه وعناصر الخدمة السرية التابعة له لدعم العمل الخيري لمؤسسة كلينتون بين عامي 2002 و2003. ونفى كلينتون قيامه بزيارة جزيرة إبستين الخاصة على الإطلاق، حيث وقعت عدد من جرائم الممول الراحل، مشددًا على أنه لم يكن على اتصال بالمدان بارتكاب جرائم جنسية ضد الأطفال لأكثر من عقد من الزمان قبل القبض عليه في عام 2019.














