كشف الباحث طارق القرني عن أصول فكرة «الأكوان الموازية» عند العرب، موضحًا أن هذه الفكرة لم تكن عربية الأصل، بل جاءت من الخارج قبل أن يتم تداولها بين العرب في القرن الثالث الهجري. وأشار القرني إلى كتاب المستدرك عند الحاكم وحديث ابن عباس الموقوف عليه، حيث يرد أن هناك سماوات أخرى وأكوان موازية، تتواجد فيها شخصيات تماثل شخصياتنا، مؤكدًا أن هذه الفكرة تشبه نظرية التناسخ عند الإغريق، حيث تنتقل النفس وليس الجسد.
وأضاف القرني، خلال استضافته في إحدى حلقات برنامج الليوان على قناة روتانا خليجية، أن الفكرة تشمل المعنى النفسي أيضًا، مشيرًا إلى أن النفس بعد الموت لا تموت، بل تنتقل إلى فرد آخر، وقد يكون هذا الفرد في مكان بعيد مثل الأرجنتين، وذكر أن كارل يونغ في المدرسة التحليلية استثمر هذه الفكرة لاحقًا، وربما يفسر سبب شعور شخص بحزن رغم امتلاكه كل شيء، نتيجة ارتباطه بنسخة أخرى حزينة منه.
وأشار القرني، إلى الجاحظ الذي تناول هذه الفكرة في سياق المجتمع المتوسع والأفكار الكثيرة نتيجة الترجمة واتساع المدن الإسلامية. وبين أن طريقة بناء المدن تختلف حسب الغرض، فالكوفة مثلاً بُنيت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتكون أساسًا مدينة عسكرية، بينما مدن أخرى مثل دمشق وبغداد لم تُبنَ على هذا النمط. وأضاف أن دخول أمم أخرى، مثل الفرس، وبداية الشعوبية، شكل تحديًا كبيرًا لفهم القرآن، خصوصًا فيما يتعلق بإدخال الكلمات الأعجمية أو لا.
كما كشف القرني، أن الحوارات الفكرية في الفترة المبكرة كانت مرتبطة بمحاولة عقلنة الغيبيات، لافتًا إلى أن هناك تحولًا مهمًا في التحكم المفاهيمي باتجاه العقل، وهو ما شكّل بداية ظهور علم الكلام في الفكر الإسلامي.
وأوضح أن علم الكلام كان يسعى لفهم الغيبيات بعقلانية، وليس مجرد قبولها كما هي، مستفيدًا من أدوات المنطق والفلسفة الإغريقية. وقال: «يمكن القول – وقد يكون هذا القول غير مرغوب عند البعض – إن علم الكلام والفلاسفة المسلمون فهموا الشريعة أو الفقه الأكبر أو العقيدة باستخدام المنطق والفلسفة الإغريقية، مستفيدين من أدوات موجودة عند الإغريق لتوظيفها في فهم النصوص».
وأشار القرني إلى أن محاولات كبار الفلاسفة كانت جدية جدًا وأسهمت في نشوء نمط تفكير منهجي قادر على عقلنة النصوص الدينية. وأضاف أن هذا النمط ظهر أيضًا في أعمال الكندي والفارابي وحتى الشافعي في أصول الفقه، حيث تمثل عقلنة الأحكام الخمسة ومحاولة إيجاد أصول تُستنبط منها الأحكام.
وأكد أن عقلنة النصوص لم تقتصر على التساؤل عن الحرام والحلال، بل كانت تهدف إلى الإجابة عن سؤال أعمق: لماذا يكون شيء حرامًا أو حلالًا؟ مضيفًا أن هذه البدايات الفكرية كانت طبيعية في مجتمع منفتح على الواقع والفكر الجديد، ومهدت الطريق لتطور الفلسفة وعلم الكلام في العالم الإسلامي.
وأضاف الباحث طارق القرني أن الفكر الإسلامي أو العربي قبل ابن تيمية يختلف جذريًا عما بعده، مشيرًا إلى أن ابن تيمية لم يكن مجرد شخصية واحدة، بل يمكن القول إنه يمثل مجموعة من الشخصيات الفكرية، وقد أسيء فهمه أحيانًا لأن كل أحد ينظر إليه من زاويته الخاصة. وأضاف القرني أن دراسة الحقيقة والمجاز عادةً ما تقتصر على أسماء وصفات، لكن ابن تيمية كان أبعد بكثير من أن يُحصر في هذه الإطارات الضيقة. وأوضح أن ابن تيمية أراد تجديد العقل الإسلامي والعربي من خلال إعادة النظر في العلاقة بين العقل والنص.
وشرح القرني الفرق بين ثلاث مصطلحات مركزية: الحق، والحقيقة، والمجاز. وقال إن «الحق» يمثل النظام التمثيلي للمفهوم مجردًا، مستقلًا عن أي تشكل خارجي، وهو أهمها، مشيرًا إلى أن الله هو الحق وليس الحقيقة، أما الحقيقة فهي تمثل آيات الله التي نتمثلها، وهي تصور الأفراد للأصل. وأضاف أن «المجاز» هو سحب الحقيقة لإيصال فكرة مختلفة عن الحقيقة المتمثلة في ذهن من يتلقاها، وهو أداة للتوضيح والتمثيل.
اقرأ أيضًا :
لماذا تشعر بثقل أو خفة مفاجئة في المصاعد؟
لماذا لا يضرب الجفاف العالم كله في وقت واحد؟
هجرة «ذعبلوتن».. أول من يفطر في المملكة من قلب الربع الخالي














