على مدار أكثر من أربعة عقود، تحوّلت العقوبات الاقتصادية إلى السمة الأبرز في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن فعاليتها كانت محط تقييم من الإدارات الأمريكية المتعاقبة، إلا أنها شكّلت عاملًا حاسمًا في تشكيل المسار الاقتصادي والسياسي الإيراني.
وخلال تلك الفترة، دفعت العقوبات الأمريكية إيران للجلوس إلى طاولة التفاوض في بعض الأحيان، ولكنها في نفس الوقت ألقت بظلالها على الجانب الاقتصادي والاجتماعي الإيراني، وسط ما خلّفته من تضخم وتراجع لمستوى المعيشة واتساع الفجوة بين السلطات والشعب.
الجذور التاريخية للعقوبات
شكّلت الثورة الإيرانية عام 1979 نقطة تحوّل حاسمة في علاقة إيران بالولايات المتحدة، إذ أدّت الإطاحة بنظام الشاه، الحليف الاستراتيجي لواشنطن، وقيام الجمهورية الإسلامية إلى بداية مسار طويل من العداء السياسي والاقتصادي. ففي أعقاب احتجاز موظفي السفارة الأمريكية في طهران، لجأت إدارة الرئيس جيمي كارتر إلى استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة ضغط مباشرة، فحظرت الواردات الإيرانية إلى الولايات المتحدة وجمّدت أصولًا إيرانية تقدَّر قيمتها بأكثر من 12 مليار دولار. ولم تكن هذه الإجراءات مؤقتة، بل تحوّلت لاحقًا إلى حجر الأساس في السياسة الأمريكية تجاه إيران.
وبحسب موقع الكونغرس الأمريكي، فإنه يالتزامن مع تصنيف وزارة الخارجية الأمريكية لإيران عام 1984 دولةً راعية للإرهاب، توسّعت العقوبات لتشمل أبعادًا سياسية وأمنية أوسع، عاكسةً قناعة أمريكية متزايدة بأن سلوك طهران الإقليمي، ودعمها لجماعات مسلحة، يمثّل تهديدًا مباشرًا للمصالح الأمريكية وحلفائها. ومنذ ذلك الوقت، لم تعد العقوبات مرتبطة بحدث واحد، بل أصبحت إطارًا دائمًا لإدارة الصراع مع إيران.
تطور العقوبات في الثمانينيات والتسعينيات
خلال الثمانينيات والتسعينيات، شهدت العقوبات الأمريكية تطورًا نوعيًا، سواء من حيث نطاقها أو أهدافها. فقد انتقلت واشنطن من إجراءات محدودة إلى سياسات أشمل استهدفت بنية الاقتصاد الإيراني. وفي منتصف التسعينيات، وقّع الرئيس بيل كلينتون أوامر تنفيذية فرضت حظرًا شبه كامل على التبادل التجاري بين البلدين، مبرّرةً ذلك باستمرار دعم إيران للإرهاب وسعيها لامتلاك أسلحة دمار شامل.
وفي عام 1996، دخلت العقوبات الأمريكية مرحلة جديدة مع إقرار تشريع استهدف الشركات غير الأمريكية العاملة في قطاع الطاقة الإيراني. وهنا ظهر مفهوم "العقوبات الثانوية"، الذي لم يعد يكتفي بمعاقبة الكيانات الأمريكية، بل سعى إلى ردع الأطراف الأجنبية عن الاستثمار في إيران عبر التهديد بحرمانها من الوصول إلى السوق الأمريكية. وأثار هذا التحول توترات حادة مع الدول الأوروبية، التي اعتبرت هذه الإجراءات تدخلًا في سيادتها الاقتصادية، ما دفعها إلى اتخاذ خطوات مضادة قبل التوصل إلى تسوية سياسية مؤقتة مع واشنطن.
البرنامج النووي الإيراني
أدّى الكشف عام 2002 عن منشآت نووية إيرانية لم يُعلن عنها سابقًا إلى تصعيد دولي واسع. ومع تعثّر الجهود الدبلوماسية الأوروبية في احتواء الأزمة، اتجهت الولايات المتحدة وشركاؤها إلى تدويل ملف العقوبات. ففي عام 2006، بدأ مجلس الأمن الدولي بفرض حزمة من العقوبات استهدفت التقنية النووية والصاروخية، ثم توسّعت لاحقًا لتشمل قطاعات أخرى.
ولم تكتفِ هذه القرارات بتقييد نقل الأسلحة والمعدات الحساسة، بل فتحت الباب أمام الدول لفرض عقوبات وطنية إضافية، خاصة في مجالات الطاقة والمال والنقل. ورغم عرض الولايات المتحدة التفاوض مع إيران مقابل الالتزام الكامل بمعاهدة عدم الانتشار النووي، استمرت حالة الشك المتبادل، ما مهّد لمزيد من التصعيد الاقتصادي.
استهداف النفط والاتفاق النووي
مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، رأت واشنطن أن العقوبات الأممية غير كافية لتغيير سلوك إيران - صاحبة ثالث أكبر احتياطي من النفط عالميًا. لذلك، أقرّ الكونغرس الأمريكي، بدعم من الإدارات المتعاقبة، تشريعات جديدة ركّزت على شريان الاقتصاد الإيراني الأساسي وهو "النفط". إذ فُرضت ضغوط غير مسبوقة على الدول والشركات التي تشتري النفط الإيراني، مع التهديد بحرمانها من النظام المالي الأمريكي.
وترافق ذلك مع عقوبات مالية صارمة أدّت عمليًا إلى عزل البنوك الإيرانية عن النظام المالي العالمي عام 2012. وأسفرت هذه الإجراءات عن انخفاض كبير في صادرات النفط، وحرمان الحكومة الإيرانية من إيرادات حيوية، ما شكّل صدمة خارجية عنيفة للاقتصاد أدّت إلى أول انكماش اقتصادي كبير منذ عقود.
وبعد سنوات من الضغط والتفاوض، توصّلت إيران والولايات المتحدة ودول أخرى عام 2015 إلى خطة العمل الشاملة المشتركة أو ما يُعرف بـ الاتفاق النووي". التزمت إيران بموجبها بتقييد أنشطتها النووية والخضوع لرقابة دولية مشددة، مقابل تخفيف واسع للعقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي. ومع ذلك، بقيت العقوبات الأمريكية المتعلقة بدعم الإرهاب، وتطوير الصواريخ الباليستية، وانتهاكات حقوق الإنسان سارية.
ومثّل الاتفاق بالنسبة لإدارة أوباما دليلًا على فعالية العقوبات كأداة تفاوضية، إذ رأت أن الضغط الاقتصادي هو ما دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. لكن هذا التوازن لم يدم طويلًا.
وفي عام 2018، انسحبت إدارة دونالد ترامب من الاتفاق النووي، معتبرةً أنه محدود المدة ولا يعالج مجمل السلوك الإيراني. وأُعيد فرض جميع العقوبات التي كانت قد رُفعت، وأضيفت إجراءات جديدة ضمن سياسة "الضغط الأقصى"، بهدف معلن هو إجبار إيران على القبول باتفاق أوسع. وأدّت هذه الخطوة إلى تعميق الركود الاقتصادي، وقيّدت تدفق السلع ورؤوس الأموال، وفاقمت مشكلات هيكلية قائمة مثل سوء الإدارة والفساد. ومنذ عام 2019، تجاوزت إيران القيود النووية المنصوص عليها في الاتفاق، ما زاد من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي.
التضخم واقتصاد المقاومة
كان من أبرز آثار العقوبات المتراكمة تفاقم معدلات التضخم، الذي تحوّل إلى أداة ضغط غير مباشرة على المجتمع. فقد أدّت القيود المالية وانخفاض قيمة العملة إلى ارتفاع أسعار الغذاء والدواء، وتراجع القدرة الشرائية للأسر. ورغم وجود استثناءات إنسانية تسمح بتجارة المواد الأساسية، فإن نقص العملات الأجنبية وانعدام الثقة في النظام المالي الإيراني أعاقا هذه المعاملات.
وتأثّر القطاع الصحي بشكل خاص، إذ وثّقت تقارير دولية صعوبات في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية. وتفاقمت هذه الأزمة خلال جائحة كوفيد-19، حيث واجهت إيران اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد، ما انعكس في ارتفاع كبير بتكاليف الرعاية الصحية.
وفي مواجهة الضغوط المتزايدة، تبنّت القيادة الإيرانية ما أسمته "اقتصاد المقاومة"، القائم على تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الإنتاج المحلي. وفي هذا السياق، سعت إيران إلى توسيع علاقاتها مع الصين وروسيا، حيث ظلّت الصين مستوردًا رئيسيًا للنفط الإيراني، بينما أشارت تقارير إلى محاولات روسية لمساعدة طهران على التحايل على العقوبات.
غير أن هذه الاستراتيجية لم تُلغِ الآثار البنيوية للعقوبات، بل أدّت في بعض الأحيان إلى تعميق الاعتماد على شبكات غير رسمية واقتصاد الظل، الذي يهيمن عليه الحرس الثوري ومؤسسات شبه حكومية.
العقوبات على مراكز النفوذ
استهدفت العقوبات الأمريكية في مراحل لاحقة مؤسسات ضخمة خاضعة لسيطرة المرشد الأعلى، مثل هيئة تنفيذ أمر الإمام الخميني ومؤسسة آستان قدس رضوي. ورغم تصنيف هذه الكيانات كمنظمات خيرية، فإنها تسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتُتَّهم بإدارة أصول مصادرة من معارضين وأقليات. واعتبرت وزارة الخزانة الأمريكية أن هذه المؤسسات تشكّل ركيزة لنظام اقتصادي مغلق يتيح للنخبة الحاكمة مراكمة الثروة، بينما يُحرم المجتمع من ثمارها. وأُدرج قادتها وشركاتهم التابعة ضمن قوائم العقوبات، في إطار استهداف ما تصفه واشنطن بشبكات الفساد المؤسسي.
ولعب الكونغرس الأمريكي دورًا محوريًا في صياغة سياسة العقوبات، من خلال تشريعات متعاقبة منحت الإدارات التنفيذية صلاحيات واسعة، وفرضت شروطًا صارمة لرفع العقوبات. وفي أعقاب الهجمات الإقليمية والتصعيد العسكري، أقرّ الكونغرس حزمًا إضافية استهدفت النفط، ونقل التقنية العسكرية، وكبار المسؤولين الإيرانيين. كما ألزم الكونغرس الإدارة بتقديم تقارير دورية حول سلوك الحكومة الإيرانية، وناقش تعديل القوانين لتقييد قدرة الرئيس على تعليق أو إلغاء العقوبات دون تحقق شروط محددة.
تفعيل آلية الزناد
في نهاية عام 2025، أعلن الاتحاد الأوروبي أن فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة فعّلت رسميًا آلية "الزناد" المنصوص عليها في الاتفاق النووي لعام 2015، ما أدى إلى إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة التي كانت معلّقة منذ ذلك التاريخ، في خطوة تمثل تصعيدًا دوليًا واسعًا ضد إيران. وأوضح بيان أوروبي أن الدول الثلاث أخطرت مجلس الأمن بأن طهران ارتكبت ما وصفته بـ"عدم تنفيذ جوهري" لالتزاماتها النووية، الأمر الذي أطلق تلقائيًا مسار إعادة العمل بالقرارات الأممية السابقة، بما يشمل حظرًا صارمًا على الأسلحة، وقيودًا على الأنشطة الباليستية، إضافة إلى إجراءات مالية وتجارية واسعة.
وجاء هذا التحرك بعد تعثّر الجهود الدبلوماسية، حيث أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن إعادة فرض العقوبات الأممية ستدخل حيّز التنفيذ بحلول نهاية سبتمبر 2025، عقب فشل المفاوضات الرامية إلى دفع إيران للعودة إلى الالتزام الكامل بالاتفاق. وفي بيان مشترك، شدد وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث على أن القرارات الست الصادرة عن مجلس الأمن، والتي كانت مجمّدة بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، سيتم تفعيلها بالكامل، معتبرين أن الخطوة تستند إلى الإطار القانوني الواضح لقرار مجلس الأمن رقم 2231 الذي يتيح لأي طرف في الاتفاق إعادة العقوبات إذا ثبت وقوع مخالفة جسيمة.
في المقابل، قوبل القرار برفض حاد من إيران وروسيا والصين، حيث وجّه وزراء خارجيتها رسالة مشتركة إلى الأمم المتحدة وصفوا فيها تفعيل آلية الزناد بأنه إجراء غير قانوني وانتهاك صريح لاتفاق 2015، بينما أعلنت طهران ردًا على ذلك تعليق تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وعلى الصعيد الاقتصادي، أشارت تقارير دولية، بينها تقارير لوكالة رويترز ووسائل إعلام غربية كالغارديان ووكالة "أسوشيتد برس"، إلى أن إعادة فرض العقوبات فاقمت الضغوط على الاقتصاد الإيراني، الذي يواجه تضخمًا مرتفعًا وانهيارًا متواصلًا في قيمة العملة، ما انعكس في ارتفاع حاد بأسعار السلع الأساسية وتآكل القدرة الشرائية واتساع رقعة الاحتجاجات الاجتماعية بين نهاية العام الماضي وبداية 2026.
اقرأ أيضًا:
حقوق الإنسان في إيران.. انتهاكات مستمرة وتنديد دولي متزايد














