تواجه المؤسسة الدينية الحاكمة في إيران ضغوطًا متصاعدة مع تجدّد الاضطرابات، في ظل تفاقم الأوضاع المعيشية الناتجة عن الارتفاع الحاد في التضخم، الذي ازداد حدّة منذ المواجهة العسكرية في يونيو الماضي، عندما نفّذت إسرائيل و الولايات المتحدة غارات جوية استهدفت بالأساس مواقع نووية إيرانية.

ورغم تاريخ طويل من الاحتجاجات المتكررة في مختلف أنحاء البلاد، لا تزال المعارضة الإيرانية تعاني من الانقسام والتشتت بين تيارات وجماعات متنافسة، من دون أن تنجح حتى الآن في بناء كيان منظم وفاعل داخل إطار الجمهورية الإسلامية.

وفي هذا السياق، نستعرض في السطور التالية أبرز الجماعات والتكتلات المعارضة، التي تشكّل ملامح المشهد المعارض داخل إيران وخارجها وفقًا لما أوردته "رويترز" :

المعارضة الملكية

مع تصاعد الثورة الإسلامية عام 1979، غادر آخر شاه لإيران، محمد رضا بهلوي، البلاد هاربًا من الانهيار المتسارع لنظامه، قبل أن يتوفى بعد عام واحد في مصر. وبسقوط السلالة الحاكمة، طُوي فصل كامل من تاريخ إيران السياسي.

آنذاك، كان ابنه رضا بهلوي وريثًا لعرش الطاووس، لكنه وجد نفسه في المنفى، حيث يقيم اليوم في الولايات المتحدة. ومن هناك، يطرح نفسه كأحد أبرز رموز المعارضة في الخارج، داعيًا إلى تغيير النظام عبر العصيان المدني السلمي، واستمرار الاحتجاجات، وإجراء استفتاء شعبي يفضي إلى تشكيل حكومة جديدة.

وبينما يحظى رضا بهلوي بدعم شريحة من الإيرانيين في المهجر ممن يرون في النظام الملكي بديلاً محتملاً، يبقى حجم هذا التأييد داخل إيران محل تساؤل. فغالبية الإيرانيين اليوم لم يعيشوا مرحلة ما قبل الثورة، كما أن البلاد تغيّرت جذريًا عمّا كانت عليه قبل أكثر من أربعة عقود.

وبين الحنين إلى الماضي والذاكرة المثقلة بالحديث عن التفاوت الاجتماعي والقمع في تلك الحقبة، ينقسم الإيرانيون في نظرتهم إلى العهد الملكي. ويزداد هذا الانقسام وضوحًا داخل التيارات المؤيدة للملكية نفسها، التي لا تزال عاجزة عن التوافق على رؤية موحّدة لمستقبل إيران.

منظمة المجاهدين

تُعد منظمة مجاهدي خلق جماعة معارضة يسارية برزت في سبعينيات القرن الماضي عبر هجمات استهدفت نظام الشاه ومصالح أمريكية. ورغم عدائها للجمهورية الإسلامية، لا تحظى بتأييد واسع داخل إيران، بسبب انحيازها إلى العراق خلال حرب 1980–1988.

وفي عام 2002، كشفت الجماعة عن برنامج إيراني سري لتخصيب اليورانيوم، لكنها لم تُظهر نشاطًا يُذكر داخل البلاد في السنوات اللاحقة. ويقودها في المنفى مريم رجوي، بعد غياب زوجها مسعود رجوي منذ أكثر من 20 عامًا، وسط انتقادات حقوقية تنفيها الجماعة. وتُعد هذه المجموعة القوة الرئيسية وراء المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الذي ينشط في عدد من الدول الغربية.

الأقليات الكردية والبلوشية

على مدى سنوات طويلة، عبّرت الأقليات الكردية والبلوشية في إيران، ومعظمها من المسلمين السنة، عن تذمّرها من حكم الحكومة الشيعية الناطقة بالفارسية في طهران. ويتركز هذا الشعور بالاستياء في مناطق تعاني تهميشًا سياسيًا واقتصاديًا مقارنة بمركز السلطة.

في غرب البلاد، حيث يشكّل الأكراد غالبية السكان، ظهرت جماعات معارضة للجمهورية الإسلامية منذ عقود، وشهدت هذه المناطق فترات متقطعة من التمرد والمواجهات مع القوات الحكومية، تعبيرًا عن رفض السياسات المركزية المفروضة عليها.

أما في إقليم بلوشستان على الحدود الشرقية مع باكستان، فتأخذ المعارضة أشكالًا مختلفة، تتراوح بين تيارات دينية سنية تطالب بهامش أوسع لأتباعها داخل النظام، وجماعات مسلحة جهادية مرتبطة بـ تنظيم القاعدة.

وعند اندلاع موجات احتجاج واسعة في أنحاء إيران، غالبًا ما تكون المناطق الكردية والبلوشية من أكثر المناطق توترًا، إلا أن هذه التحركات تظل متفرقة، إذ لا توجد في أي من المنطقتين حركة معارضة موحّدة قادرة على تشكيل تهديد مباشر لسلطة طهران.

حركات التظاهرات والاحتجاجات

على مدار عقود، شهدت إيران موجات متكررة من الاحتجاجات، خرج خلالها مئات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع تعبيرًا عن غضبهم من الأوضاع السياسية والاقتصادية.

وفي عام 2009، اندلعت واحدة من أبرز هذه التحركات عقب الانتخابات الرئاسية، حين امتلأت شوارع طهران ومدن أخرى بمتظاهرين اتهموا السلطات بتزوير النتائج لصالح الرئيس آنذاك محمود أحمدي نجاد على حساب منافسه الإصلاحي مير حسين موسوي. وقادت هذه التحركات ما عُرف بـ«الحركة الخضراء»، التي طالبت بإصلاحات ديمقراطية من داخل النظام.

غير أن السلطات سرعان ما قمعت الحركة، ووُضع موسوي، إلى جانب حليفه السياسي ورئيس البرلمان السابق مهدي كروبي، تحت الإقامة الجبرية، ما أدى إلى تراجع الزخم الشعبي. وبمرور الوقت، بات يُنظر إلى الحركة الخضراء على أنها تجربة انتهت دون تحقيق أهدافها.

وفي عام 2022، عادت الاحتجاجات إلى الواجهة مجددًا، وهذه المرة بدافع قضايا اجتماعية، وعلى رأسها حقوق المرأة. ورفعت التظاهرات شعار «المرأة، الحياة، الحرية»، واستمرت لأشهر في مناطق واسعة من البلاد، لكنها افتقرت إلى قيادة موحدة أو تنظيم واضح، وانتهت بحملة اعتقالات واسعة وسجن أعداد كبيرة من المشاركين فيها.

اقرأ أيضًا:

بعد تحذيرات ترامب.. إيران تتوعد بالرد على أي هجوم أمريكي
غضب يتصاعد في الشارع الإيراني.. ما الذي أشعل موجة التظاهرات؟

الاحتجاجات تتصاعد في إيران وسط انقطاع الاتصالات