دخلت الاحتجاجات المناهضة للحكومة في إيران يومها الثالث عشر على التوالي، وسط تصاعد موجة الاضطرابات التي وُصفت بأنها تمثل أكبر تحدٍّ يواجه النظام منذ سنوات. وشهدت البلاد، يوم الجمعة، استمرار التظاهرات في عدد من المدن، في ظل توتر أمني متزايد.
وفي محاولة لاحتواء الاحتجاجات، أقدمت السلطات يوم الخميس على قطع خدمات الإنترنت وخطوط الهاتف، تزامنًا مع ما اعتُبر أكبر ليلة تشهدها البلاد من حيث حجم المظاهرات حتى الآن، الأمر الذي أدى إلى عزل إيران إلى حد كبير عن العالم الخارجي. وفي الوقت نفسه، أفادت منظمات حقوقية بسقوط عشرات القتلى منذ اندلاع الاحتجاجات، ما زاد من حدة القلق الدولي إزاء تطورات الوضع.
ولوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإمكانية مهاجمة إيران إذا استخدمت قوات الأمن القوة في مواجهة المتظاهرين. وفي ردّ مباشر، دعا المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي ترامب إلى «التركيز على شؤون بلاده»، محمّلًا الولايات المتحدة مسؤولية التحريض على الاحتجاجات.
سبب اندلاع الاحتجاجات
ووفقًأ لشبكة " CNN" انطلقت شرارة الاحتجاجات في طهران على شكل مظاهرات داخل الأسواق، احتجاجًا على التضخم المتسارع وارتفاع تكاليف المعيشة، قبل أن تمتد سريعًا إلى مختلف أنحاء إيران وتتحول إلى احتجاجات أوسع ذات طابع سياسي، تستهدف النظام بشكل مباشر.
تصاعدت المخاوف من التضخم إلى أعلى مستوياتها الأسبوع الماضي، بعدما شهدت أسعار السلع الأساسية، مثل زيت الطهي والدجاج، قفزات حادة ومفاجئة خلال ليلة واحدة، في حين اختفت بعض المنتجات بالكامل من رفوف المتاجر.
وزاد الوضع تعقيدًا قرار البنك المركزي الإيراني إنهاء برنامج كان يتيح لبعض المستوردين الحصول على الدولار الأمريكي بأسعار أقل من سعر السوق. وأدى هذا القرار إلى موجة من رفع الأسعار، وإغلاق عدد من المتاجر أبوابها، ما فجّر احتجاجات واسعة سرعان ما انتشرت في مدن عدة.
ورغم محاولات الحكومة ذات التوجه الإصلاحي احتواء الغضب الشعبي عبر تقديم مساعدات نقدية مباشرة تُقدّر بنحو سبعة دولارات شهريًا، فإن هذه الإجراءات لم تنجح في تهدئة الاضطرابات أو وقف اتساع رقعة الاحتجاجات.
قوة الاحتجاجات ونتائجها
وتُعدّ الاحتجاجات الراهنة الأكبر من حيث الحجم منذ عام 2022، حين فجّر مقتل مهسا أميني، البالغة من العمر 22 عامًا، أثناء احتجازها لدى الشرطة الدينية، موجة احتجاجات غير مسبوقة رفعت شعار «المرأة، الحياة، الحرية».
وشارك متظاهرون في أكثر من 100 مدينة في التحركات التي انطلقت قبل نحو أسبوعين، قبل أن تمتد رقعتها إلى محافظات غربي إيران، من بينها إيلام ذات الغالبية الكردية المتاخمة للعراق، ومحافظة لورستان، اللتان تحوّلتا إلى بؤرتين رئيسيتين للاضطرابات.
وتغذّت الاحتجاجات بعوامل متعددة، من بينها الفقر والانقسامات العرقية، ما دفع بعض المحتجين إلى إضرام النيران في الشوارع وترديد هتافات «الموت لخامنئي»، في تحدٍ مباشر للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، صاحب السلطة العليا على الشؤون الدينية والسياسية في البلاد.
أفادت وكالة أنباء فارس الرسمية بإصابة نحو 950 من عناصر الشرطة و60 من أفراد قوات الباسيج شبه العسكرية خلال الاحتجاجات، معظمهم في مواجهات بالمحافظات الغربية مع ما وصفتهم بـ«مثيري الشغب».
وفي المقابل، أعلنت منظمة حقوق الإنسان الإيرانية (IHRNGO) مقتل ما لا يقل عن 45 متظاهرًا، بينهم 8 أطفال، منذ اندلاع المظاهرات، إضافة إلى إصابة المئات واعتقال أكثر من 2000 شخص. وأشارت CNN إلى أنها لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من هذه الأرقام، في ظل غياب إحصاءات رسمية شاملة من وسائل الإعلام في إيران.
رأى خبيران، أن موجة الاحتجاجات الجارية في إيران قد تُفضي إلى تحولات كبيرة في المشهد السياسي. وقالت سانام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تشاتام هاوس، إن هذه الاحتجاجات «ستُفاقم بلا شك تآكل شرعية الدولة المتصدعة أصلًا»، معتبرة أن النظام «يقترب من نهاية عمره».
من جهتها، رأت دينا إسفندياري، مسؤولة شؤون الشرق الأوسط في بلومبرج إيكونوميكس، أن هذه الجولة تختلف عن سابقاتها بسبب اتساع شعور الإحباط والإرهاق بين الإيرانيين. وأضافت أن «الوضع بلغ نقطة الغليان»، متوقعة أن «الشكل الحالي للجمهورية الإسلامية قد لا يستمر حتى عام 2027»، مع ترجيح حدوث تغيير ملموس.
ماذا تعني الاحتجاجات للنظام؟
أصبحت إيران دولة دينية منذ عام 1979، وتأسيس الجمهورية الإسلامية بقيادة روح الله الخميني. ورغم انتخاب مسعود بيزشكيان رئيسًا في 2024 ببرنامج أكثر براغماتية، فإن صلاحياته تبقى محدودة، إذ تتركز السلطة الفعلية بيد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.
وبيّن بيزشكيان أن حكومته لا تستطيع معالجة الأزمات بمفردها، بعدما أخفقت وعوده بتخفيف الضغوط الاقتصادية، في ظل تفشي الفساد وسوء الإدارة، واستمرار معاناة الطبقتين العاملة والوسطى. وزادت العقوبات الأمريكية واحتمالات التصعيد العسكري من حالة القلق الشعبي.
في المقابل، حذّر الحرس الثوري الإيراني من المساس بالحكومة، واعتبر بقاء النظام «خطًا أحمر». وعلى الضفة الأخرى، طرح رضا بهلوي نفسه بديلًا للنظام، داعيًا إلى تحرك وطني، وهو ما انعكس في بعض هتافات المتظاهرين، رغم أن حجم الدعم للملكية لا يزال غير واضح.
ووجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرات متكررة إلى طهران من «عواقب وخيمة» في حال قُتل متظاهرون خلال الاحتجاجات. وقال ترامب، في مقابلة مع مقدم البرامج الإذاعية المحافظ هيو هيويت، إن إدارته أبلغت السلطات الإيرانية بأنه «إذا بدأوا بقتل الناس، فسيردّون بقوة شديدة».
وفي اليوم التالي، كرر ترامب لهجته التحذيرية خلال اجتماع مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع النفط، مشددًا على أن السلطات الإيرانية «من الأفضل ألا تبدأ بإطلاق النار»، ومؤكدًا أن الرد سيكون مماثلًا، مع استبعاده في الوقت نفسه إرسال قوات برية أمريكية إلى إيران.
قبل ستة أشهر فقط، نفذت إسرائيل والولايات المتحدة، هجمات على إيران للمرة الأولى، في تطور لافت أعاد التصعيد إلى الواجهة. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد لوّح الأسبوع الماضي بإمكانية شن هجمات جديدة، بعد أيام من لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وفي أول تعليق علني له منذ اندلاع المظاهرات، دعا المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي ترامب إلى «التركيز على مشكلات بلاده»، متهمًا «محرضين» بالسعي لإرضاء واشنطن عبر تخريب الممتلكات العامة. وأكد خامنئي أن «الشعب الإيراني الموحد سيهزم جميع الأعداء»، مشددًا على أن الجمهورية الإسلامية «لن تتراجع أمام من يسعون إلى تدميرها».
اقرأ أيضًا :
الاحتجاجات تتصاعد في إيران وسط انقطاع الاتصالات
من هو رضا بهلوي الذي يتردد اسمه في هتافات إيران؟
من الحرس القديم لتشافيز إلى أقوى وزير فنزويلي.. من هو ديوسدادو كابيلو؟













