مع بروز الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، دخلت الحروب الجوية مرحلة جديدة تُعيد رسم قواعد السيطرة في السماء. وغيّرت الطائرات الصغيرة والرخيصة ميزان القوى التقليدي، وفرضت على الولايات المتحدة تحديات كبيرة في إدارة أي مواجهة محتملة مع إيران دون الحاجة لإرسال قوات برية.
وفي الماضي، كان التفوق الجوي مرتبطًا بالدول القادرة على شراء طائرات متقدمة وتدريب أطقمها على سنوات من العمليات المعقدة. أما اليوم، سمحت الطائرات المسيّرة الرخيصة لأي جهة تمتلك القليل من الإمكانات بفرض تهديد حقيقي، ما يقلّص الفائدة الاستراتيجية للطائرات المكلفة والمجهزة بأحدث التقنيات.
وخلال العمليات الأخيرة، شاركت الولايات المتحدة بنحو 200 طائرة مقاتلة في مهام قصف، بما في ذلك الاستخدام المكثف لأول مرة لطائرات إف-35 بعد حل مشاكل التكلفة والتأخير. كما تم الاستعانة بقاذفات القنابل B-2 القادرة على حمل ما يصل إلى 40,000 رطل من الذخائر الموجهة، وقاذفات B-1 “بون” التي تحمل 75,000 رطل من معدات مهام متنوعة و24 صاروخ كروز، بالإضافة إلى طائرات كبيرة لدعم الوقود والمراقبة.
وعلى الجانب غير المأهول، تستخدم الولايات المتحدة طائرات ريبر المُدارة من محطات أرضية، وأدخلت مؤخرًا الطائرة الهجومية أحادية الاتجاه FLM-136 LUCAS، شبيهة بطائرة “شاهد” الإيرانية.
تطوير إيران للمسيّرات
من جهتها استثمرت إيران سنوات في تصنيع وتوزيع الطائرات المسيّرة، مستخدمة الآن مئات منها في هجماتها المباشرة. ومنذ 28 فبراير، أطلقت طهران أكثر من 1,000 طائرة مسيّرة وصواريخ متعددة على إسرائيل ودول الخليج المتحالفة مع واشنطن، معتمدةً على الكم الكبير لإرباك الدفاعات الجوية بدل التركيز على الدقة الفردية.
وتُد تكلفة الطائرة المسيّرة منخفضة للغاية، إذ تتراوح طائرات شاهد بين 20,000 و50,000 دولار، مقارنة بتكلفة صاروخ اعتراضي واحد من نظام باتريوت التي تصل إلى 4 ملايين دولار. هذا يعني أن الأموال المخصصة لصاروخ واحد يمكن أن تنتج 115 طائرة أحادية الاتجاه بمتوسط تكلفة 35,000 دولار لكل واحدة.
وخلال الأسبوع الأول من التصعيد، أطلقت إيران أكثر من 1,000 طائرة بدون طيار، ويُقدر إنتاجها الشهري بحوالي 10,000 طائرة، مما يوضح حجم الاعتماد على الكم والهجوم المستمر.
تحول في طبيعة المعارك
أظهرت تجربة الصراع الروسي–الأوكراني فعالية الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، حيث تحولت المعارك تدريجيًا من الدبابات والمدفعية إلى ضربات جوية مسيّرة مسؤولة عن نحو 70% من خسائر الجانب الروسي، ما سمح بتنفيذ عمليات بعيدة المدى مع تقليل المخاطر على الطيارين.
أما الطائرات الأمريكية التقليدية، مثل إف-15 ذات المقعدين، فهي تعتمد على أطقم مدربة سنوات طويلة، وتكلفة خسارتها تشمل فقدان الطائرة والطاقم. في المقابل، الطائرات المسيّرة يمكن تشغيلها عن بُعد، ما يجعل استبدالها بأسعار عشرات الآلاف من الدولارات ممكنًا دون خسائر بشرية.
وخلق هذا التفاوت فجوة استراتيجية، إذ يمكن أن يُستخدم صاروخ اعتراضي بقيمة 3 ملايين دولار لاعتراض طائرة مسيّرة قيمتها 50 ألف دولار. وأوضح بيل لابيلانت من البنتاغون في مايو 2024: "إذا كنا نسقط طائرة بدون طيار بقيمة 50 ألف دولار بصاروخ قيمته 3 ملايين دولار، فهذه ليست معادلة تكلفة جيدة".
وعلى المستوى البحري، أنفقت البحرية الأمريكية منذ أواخر 2023 نحو مليار دولار أو أكثر لحماية السفن في البحر الأحمر من هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة، وتشمل هذه التكلفة تشغيل السفن، الوقود، الصيانة، الطاقم، أجهزة الاستخبارات والمراقبة، وشبكات القيادة والسيطرة.
وللمواجهة، تسعى الولايات المتحدة لتسريع نشر طائراتها الصغيرة بدون طيار، مثل FLM-136 LUCAS، بعد أن أصدر وزير الدفاع توجيهات لتسهيل عمليات الشراء والنشر، نظرًا لإنتاج الخصوم ملايين الطائرات سنويًا. تشبه هذه الطائرة الإيرانية شاهد-136، وتعمل كأسلحة هجومية أحادية الاتجاه تشبه صواريخ كروز ولكن بتكلفة أقل بكثير.
ودفع التحدي الدفاعي الجيوش إلى تطوير تقنيات مضادة، مثل أجهزة التشويش الإلكتروني، الطائرات الاعتراضية، وأشعة الليزر عالية الطاقة. وبعض هذه الأنظمة دخلت الاستخدام التجريبي في الولايات المتحدة وإسرائيل، منها:
- USS Preble مزودة ليزر عالي الطاقة اعتبارًا من 2 فبراير 2026.
- ليزر LOCUST للجيش الأمريكي، تكلفة شعاع واحد 3 دولارات، استخدم تجريبيًا في 12 فبراير 2026.
- ليزر Helios من Lockheed Martin، تكلفة الشعاع بين 1 و10 دولارات، وإجمالي النظام 150 مليون دولار.
- ليزر Iron Beam الإسرائيلي، تكلفة عشرات الملايين لكل نظام، قابل للدمج على المركبات.
- نظام Drone Dome من Rafael، التكلفة 3.3 مليون دولار ويشمل خمسة مكونات للتشويش وتدمير الطائرات.
- الطائرات الاعتراضية DroneHunter (100,000 دولار) وCoyote (100,000–200,000 دولار) قابلة لإعادة الاستخدام وتعطل الطائرات المسيّرة عبر الشبكات أو الموجات الدقيقة.
وحتى نضوج هذه الأنظمة وتوافرها على نطاق واسع، لا يزال الاعتماد الأكبر على صواريخ الدفاع الجوي التقليدية، ويظل التحدي الأساسي هو تطوير وسائل فعالة من حيث التكلفة وسريعة الاستجابة لمواكبة التطور المتسارع للطائرات المسيّرة الهجومية.
اقرأ أيضًا:
بعد استهدافها.. ما الأهمية الاستراتيجية لجزيرة "خرج" الإيرانية؟
بحاملة طائرات وآلاف المشاة.. واشنطن تعزز وجودها في الشرق الأوسط
خنق النفط الإيراني يضع خطط ترامب الحربية على المحك














