شهدت إيران على مدار قرن من الزمن تحولات سياسية واجتماعية عميقة شكلت مسار الحكم الحديث وأعادت تشكيل هويتها السياسية ونظام حكمها، بدءًا من الثورة الدستورية، مرورًا بالعهد البهلوي، وانتهاءً بالثورة الإسلامية وتأسيس الجمهورية الإسلامية.
وفي السطور التالية نسلط الضوء على أبرز 3 مراحل في رحلة الجمهورية الإسلامية السياسية:
المرحلة الأولى.. من الثورة الدستورية إلى العهد البهلوي
شهدت إيران في أوائل القرن العشرين مرحلة حرجة من ضعف الدولة القاجارية، حيث عانى الحكم من الفساد وتراجع السلطة المركزية، في ظل نفوذ أجنبي متصاعد من بريطانيا وروسيا، ما أثار غضب القوميين الإيرانيين ومطالب الجماعات الاجتماعية بالإصلاح.
وفي 1906، اندلعت الثورة الدستورية، التي جمعت رجال الدين والتجار والمثقفين وزعماء القبائل للمطالبة بوضع دستور يحدّ من سلطات الملك ويؤسس مجلس شورى (البرلمان). وأسست هذه الثورة لأول تجربة دستورية حقيقية في إيران، معبرة عن رغبة الشعب في الاستقلال السياسي والمالي، خصوصًا بعد اكتشاف النفط عام 1908 وامتياز دارسي 1901. وخلال هذه الفترة، لعبت القوى الأجنبية دورًا مزدوجًا، فمن ناحية دعمت بريطانيا الإصلاحيين لضمان مصالحها، ومن ناحية أخرى، انحازت روسيا للمعارضين، ما عزز الشعور القومي وأجج المطالب بحكم دستوري مستقل.
وبعد سنوات من الفوضى والانقسامات، برز رضا خان كقائد عسكري قوي في انقلاب 1921، مدعومًا من الدبلوماسيين البريطانيين، ما مهد الطريق لنهاية الملكية القاجارية وبداية العهد البهلوي الذي قام على أساس "التغريب والعلمنة". وتولى رضا شاه السلطة رسميًا عام 1925، فأرسى دولة مركزية قوية قلّصت نفوذ القبائل ورجال الدين، وأطلق برنامج تحديث شامل شمل التعليم، القضاء، حقوق المرأة، والإصلاحات المدنية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، حاول رضا شاه مواجهة النفوذ الأجنبي وامتيازات النفط البريطانية عبر إعادة التفاوض حول العقود وتوسيع التجارة مع ألمانيا، ساعيًا لتعزيز استقلال إيران المالي والسياسي. ومع مرور الوقت، تحولت سياساته من العلمانية والإصلاح إلى أسلوب استبدادي صارم، مع قوانين اعتقال وقمع للماركسيين والمثقفين والمعارضين، مؤسسًا قاعدة النظام البهلوي الحديث الذي استمر حتى عام 1979.
المرحلة الثانية.. اندلاع الثورة الإسلامية وتأسيس النظام
عاد آية الله روح الله الخميني إلى إيران في الأول من فبراير 1979 بعد 15 عامًا من المنفى، في استقباله حشود شعبية ضخمة. جاء هذا بعد أسبوعين فقط من فرار الشاه محمد رضا بهلوي وعائلته نتيجة الاحتجاجات الشعبية المتزايدة، بينما كان الإيرانيون يستعدون لمرحلة جديدة بقيادة الخميني نحو إقامة دولة إسلامية.
واشتهر الخميني بآرائه السياسية والدينية الجريئة، وأصبح أول رجل دين يطالب علنًا بتولي رجال الدين الحكم في إيران، مخالفًا بذلك التقاليد الشيعية السائدة. بدأ نشاطه المعارض بعد إعلان رفضه لسياسات الشاه التغريبية، ما أدى إلى سجنه عام 1963 ثم نفيه إلى النجف عام 1964، حيث واصل إرسال تسجيلات وخطابات إلى إيران لتحفيز أتباعه والدعوة للإطاحة بالشاه.
وفي السبعينيات، أثارت احتفالات الشاه بالذكرى 2500 للنظام الملكي واستبداله للتقويم الإسلامي بالفارسي سخط المتشددين، مما ساهم في تصاعد الغضب الشعبي. في عام 1978، اندلعت مظاهرات حاشدة في المدن الكبرى، شارك فيها الطلاب وقطاعات شعبية واسعة، وفي ديسمبر من نفس العام انقلب الجيش ضد الشاه، الذي فرّ من البلاد في 16 يناير 1979. وفي الأول من فبراير، استقبل الإيرانيون الخميني في طهران كقائد للثورة.
وفي أبريل 1979، صوت الإيرانيون بنسبة 98% لصالح تحويل البلاد إلى جمهورية إسلامية. وفي ديسمبر من نفس العام أُقرّ الدستور الإسلامي بنسبة موافقة بلغت 75%، والذي يقوم على مبدأ "ولاية الفقيه"، الذي يمنح المرشد سلطة الإشراف الكامل على الدولة، وهو ما منح الخميني بالتبعية منصب المرشد الأعلى مدى الحياة وفرض الشريعة، وقيّد حقوق المرأة، وقمع المعارضة.
المرحلة الثالثة.. إصلاحات تدريجية للنظام السياسي
بعد وفاة الخميني في 3 يونيو 1989، تولى علي خامنئي المنصب، وبدأت إيران إصلاحات تدريجية وصلت إلى انتخاب الرئيس المعتدل محمد خاتمي عام 1997.
وشهدت إيران في عام 1989 تعديلًا دستوريًا مهمًا أعاد هيكلة النظام السياسي بشكل جذري. وكان أبرز هذه التعديلات كان إلغاء منصب رئيس الوزراء، ما أدى إلى تركيز كامل السلطة التنفيذية في يد رئيس الجمهورية، بدلًا من النظام السابق الذي يقسم الصلاحيات بين الرئيس ورئيس الوزراء. كما نصّت التعديلات على وضع قواعد جديدة لاختيار الولي الفقيه بعد وفاة الخميني، لضمان استمرارية القيادة الدينية العليا.
كما عزز التعديل الدستوري صلاحيات المرشد الأعلى إلى حدّ يشبه الولاية المطلقة، من خلال توسيع دوره في تعيين المسؤولين الكبار والإشراف على السياسات العامة، وهو ما يضمن للمرشد نفوذًا واسعًا على جميع مؤسسات الدولة. وفي الوقت نفسه، تم إنشاء مجمع تشخيص مصلحة النظام ليكون آلية لحل النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، ويعمل كمستشار للمرشد الأعلى في القضايا التشريعية والسياسات العامة. هذا المجلس الرسمي يُعدّ بمثابة وساطة بين مؤسسات الدولة ويضمن تنفيذ التوازن بين السلطات وفق الدستور المعدّل.
وبذلك أصبح تعديل عام 1989 خطوة أساسية في تعزيز السلطة التنفيذية والمرشدية في إيران، ووضع هيكل سياسي متماسك يوازن بين القيادة الدينية العليا ومؤسسات الدولة الحديثة.
اقرأ أيضًا:
العقوبات الأمريكية على إيران.. 4 عقود من الضغط السياسي
ماذا لو سقط النظام الإيراني؟ السيناريوهات المستقبلية
الرؤساء الإيرانيون.. شخصيات رسمت مسار إيران السياسي













