منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، لم تعرف إيران استقرارًا سياسيًا طويل الأمد. فقد شهدت البلاد موجات احتجاج متكررة، تنوّعت دوافعها بين مطالب إصلاحية محدودة واعتراضات تمسّ جوهر النظام نفسه. وتبدّلت شرارات الغضب بين انتخابات مثيرة للجدل، وأزمات اقتصادية خانقة، وقضايا تتعلق بالحريات الفردية، إلا أن المشهد غالبًا ما كان واحدًا: شارع محتقن، وسلطة تردّ بالقمع أو بمحاولات احتواء مؤقتة.
ولا تبدو هذه الاحتجاجات مجرد أحداث عابرة، بل جزءًا من مسار متواصل يعكس خللًا مستمرًا في العلاقة بين المجتمع والدولة. فكل موجة احتجاجية تترك أثرًا سياسيًا واجتماعيًا يتراكم مع الوقت، ليعود لاحقًا بشكل أوسع وأكثر جرأة.
سجل الاحتجاجات الكبرى في إيران (1999 - 2026)
مرّ النظام الإيراني على مدار 27 عامًا بعدة هزات شعبية رغم تصاعد لجوء السلطات الإيرانية إلى العنف في التعامل معها خلال السنوات الأخيرة.
احتجاجات 1999 (الحركة الطلابية)
شهدت إيران في صيف عام 1999 واحدة من أولى موجات الاحتجاج الواسعة بعد الثورة، عقب قرار السلطات إغلاق صحيفة «سلام» الإصلاحية. القرار فجّر احتجاجات سلمية قادها طلاب الجامعات في العاصمة طهران، اعتراضًا على تقييد حرية الصحافة وتراجع وعود الإصلاح.
وفي ليلة 8 يوليو، تصاعدت الأزمة بشكل حاد بعد اقتحام قوات الأمن سكن الطلاب، ما أسفر عن مقتل طالب واحد على الأقل، وأشعل موجة احتجاجات امتدت إلى مدن أخرى واستمرت عدة أيام. وردّت السلطات بحملة أمنية واسعة، شاركت فيها ميليشيا الباسيج، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن أربعة أشخاص، واختفاء بعض الطلاب، واعتقال ما بين 1200 و1400 متظاهر.
الحركة الخضراء 2009
في عام 2009، دخلت إيران واحدة من أكثر مراحلها السياسية توترًا، عقب انتخابات رئاسية طغت عليها اتهامات بالتزوير، بعدما أُعلن فوز الرئيس حينها محمود أحمدي نجاد بولاية ثانية. النتائج أشعلت احتجاجات غير مسبوقة من حيث الحجم والزخم، لتتحول سريعًا إلى ما عُرف بـ«الحركة الخضراء».
وامتلأت شوارع المدن الكبرى بمئات الآلاف من المتظاهرين، رافعين شعار «أين صوتي؟» تعبيرًا عن رفضهم للنتائج الرسمية. وللمرة الأولى، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في تنظيم الاحتجاجات ونقل صورها إلى العالم، ما دفع بعض المراقبين إلى وصفها بـ«ثورة تويتر».
لكن النظام رفض إعادة الانتخابات، ولجأ إلى تشديد القبضة الأمنية وفرض قيود صارمة على الإعلام والاتصالات. وأسفرت حملة القمع عن مقتل عشرات المحتجين واعتقال الآلاف، لتنحسر الحركة بعد أشهر، دون أن تحقق تغييرًا سياسيًا مباشرًا.
احتجاجات «دي» 2017–2018
اندلعت احتجاجات «دي» 2017–2018 في إيران من مدينة مشهد، على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار والبطالة. وما لبثت هذه التحركات أن خرجت عن نطاقها المحلي، لتنتشر سريعًا في عشرات المدن الصغيرة والقرى، في سابقة لافتة في تاريخ الاحتجاجات الإيرانية.
وتميّزت هذه الموجة بطابعها الاجتماعي والاقتصادي، وبكونها لم تقتصر على مراكز المدن الكبرى أو الطبقة الوسطى، بل شملت شرائح مهمشة لطالما اعتُبرت بعيدة عن الاحتجاج السياسي. كما تجاوزت الشعارات المطالب المعيشية، لتكسر خطوطًا حمراء تقليدية عبر توجيه انتقادات مباشرة للنظام ورموزه.
احتجاجات نوفمبر 2019
شهدت إيران في نوفمبر 2019 واحدة من أعنف موجات الاحتجاج في تاريخها الحديث، عقب قرار حكومي مفاجئ برفع أسعار الوقود بشكل حاد. وبدأت الاحتجاجات بطابع سلمي، مدفوعة بمطالب اقتصادية، قبل أن تمتد خلال أيام قليلة إلى أكثر من 20 مدينة في مختلف أنحاء البلاد.
ومع اتساع رقعة الغضب الشعبي، تجاوزت الشعارات المطالب المعيشية، لتشمل هتافات غير مسبوقة تطعن في رأس السلطة، من بينها دعوات صريحة لإسقاط المرشد الأعلى علي خامنئي. وردّت السلطات بإجراءات أمنية مشددة، شملت قطع الإنترنت بشكل شبه كامل، وشن حملة قمع واسعة باستخدام القوة المفرطة.
وأسفرت المواجهات عن مقتل مئات المتظاهرين، بحسب تقديرات منظمات حقوقية، إلى جانب آلاف الاعتقالات، لتُعرف تلك الأحداث لاحقًا باسم «نوفمبر الدموي».
انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" 2022
اندلعت انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» في إيران في سبتمبر/أيلول 2022، عقب وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق لأنها لم تكن ترتدِ الحجاب بالشكل الصحيح. وسرعان ما تحولت الحادثة إلى موجة احتجاجات واسعة ذات طابع اجتماعي وحقوقي، قادتها النساء وشارك فيها بقوة جيل الشباب.
وردّت السلطات بحملة قمع شديدة، شملت استخدام القوة وإطلاق قوات الأمن النار الرصاص الحي على المتظاهرين بالإضافة إلى حملات اعتقالات واسعة ومحاكمات سريعة، إلا أن الاحتجاجات استمرت لأشهر، لتشكّل واحدة من أكبر التحديات التي واجهت الجمهورية الإسلامية خلال العقود الأخيرة.
احتجاجات "البازار والعملة" (ديسمبر 2025 - يناير 2026)
شهدت إيران في أواخر ديسمبر 2025 موجة احتجاجات جديدة، بدأت بإضراب تجار الأسواق الكبرى في طهران احتجاجًا على انهيار العملة المحلية وتدهور الأوضاع المعيشية. وسرعان ما اتسعت رقعة التحركات لتشمل نحو 180 مدينة، قبل أن تمتد لاحقًا إلى جميع محافظات البلاد البالغ عددها 31 محافظة، مدفوعة بارتفاع معدلات التضخم وتصاعد الضغوط الاقتصادية.
وانطلقت الاحتجاجات نتيجة الإحباط من التضخم القياسي وارتفاع أسعار المواد الغذائية وتراجع قيمة العملة، لكنها ما لبثت أن تحولت إلى مطالب أوسع ذات طابع سياسي. وشارك في التحركات، إلى جانب التجار، طلاب الجامعات وشرائح مختلفة من المجتمع، مع امتداد التظاهرات من المدن الكبرى إلى الأحياء الصغيرة، وسط شعارات مناهضة للحكومة.
تحليل لأسباب الاحتجاجات الحالية
تعكس الاحتجاجات الحالية في إيران، تراكُم أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية ممتدة. وتأتي هذه التحركات في سياق تراجع الثقة بالحلول القائمة وتصاعد الشعور بانسداد الأفق أمام الإصلاح والتغيير.
الأزمة الاقتصادية
تشير تقديرات مركز تريندز للبحوث والاستشارات إلى أن الاحتجاجات الراهنة في إيران تختلف عن موجات أعوام 2009 و2019 و2022، إذ جاءت نتيجة تراكُم عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية في وقت واحد. فقد أدّى التراجع الحاد في سعر العملة، وارتفاع التضخم، وتدهور القدرة الشرائية إلى تفجير الغضب الشعبي منذ أواخر ديسمبر 2025، في ظل توتر ممتد بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع، تجاوز المطالب المعيشية المعتادة. ومع زيادة الضغوط، اتسعت الاحتجاجات سريعًا من المدن الرئيسية إلى مناطق أوسع.
وفي السياق نفسه، يرى معهد هدسون، في تحليل للخبير مايكل دوران، أن جذور هذه الاحتجاجات تعود أساسًا إلى انهيار اقتصادي عميق، بلغ ذروته مع فقدان الدولة السيطرة على العملة وارتفاع التضخم، وعجزها عن توفير أساسيات المعيشة. ووفق هذا الرأي، تحولت الاحتجاجات من مطالب معيشية إلى مطالب سياسية أوسع، مع تفاقم العقوبات الدولية، وانتشار الفساد، وضعف الخدمات، ووجود اقتصاد يخدم فئة محدودة، في وقت عجزت فيه الحكومة والبنك المركزي عن حماية الريال أو احتواء الأزمة.
الانكشاف العسكري والأمني
وفي موازاة العوامل الاقتصادية والسياسية الداخلية، برز العامل الأمني بوصفه عنصرًا إضافيًا في تفسير تصاعد الغضب الشعبي. ففي هذا الإطار، يرى خبراء أمنيون أن «حرب الأيام الاثني عشر» في يونيو 2025، التي مثّلت مواجهة مباشرة بين إيران وكلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة، أسهمت في تقويض صورة الردع الإيراني التي طالما قدّمها النظام كركيزة لأمن الدولة.
وبحسب هذه التقديرات، فإن استهداف منشآت نووية وعسكرية داخل الأراضي الإيرانية انعكس داخليًا على مستويين؛ تراجع الثقة الشعبية بقدرة النظام على حماية البلاد من التهديدات الخارجية، وتعزيز الشعور لدى قطاعات من المجتمع بأن موارد الدولة تُستنزف في صراعات إقليمية مكلفة، لا تنعكس تحسنًا في الأوضاع المعيشية، بل تُفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. وأسهم هذا الإدراك في تغذية مناخ السخط العام، ودفع الاحتجاجات إلى تجاوز المطالب الاقتصادية نحو تساؤلات أوسع تتعلق بأولويات الحكم ومسار الدولة.
غياب الأفق الإصلاحي
رغم انتخاب مسعود بزشكيان رئيسًا لإيران في عام 2024، بوصفه محسوبًا على التيار الإصلاحي والمعتدل، يرى محللون أن قدرته على إحداث تغيير حقيقي ظلت محدودة منذ البداية. فقد أشارت تحليلات دولية إلى أن الرئيس الجديد يفتقر إلى النفوذ اللازم لكبح سلطة المؤسسات غير المنتخبة، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني، أو لمعالجة جذور الانهيار الاقتصادي المتفاقم.
ووفقًا لتقرير لوكالة رويترز، فإن بزشكيان، رغم خطابه الإصلاحي، يواجه قيودًا بنيوية تفرضها مراكز القوة داخل النظام، ما يحدّ من قدرته على تنفيذ إصلاحات سياسية أو اقتصادية جوهرية. وترى الوكالة أن استمرار نفوذ التيار المحافظ والأجهزة الأمنية جعل آمال التغيير التي رافقت انتخابه تتآكل سريعًا.
في السياق نفسه، يشير معهد كلينغندايل إلى أن هامش المناورة المتاح أمام بزشكيان ضيّق للغاية، في ظل هيمنة المؤسسات غير المنتخبة على القرار الاستراتيجي، الأمر الذي جعل مشروع «الإصلاح من الداخل» يبدو عاجزًا عن الاستجابة لتطلعات الشارع، خصوصًا مع استمرار تدهور الأوضاع المعيشية.
ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، وغياب مؤشرات ملموسة على التغيير، تعززت لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين قناعة بأن المسار الإصلاحي لم يعد كافيًا لمعالجة أزمات البلاد. وتزامن ذلك مع تحوّل تدريجي في شعارات الاحتجاج، من مطالب معيشية وإصلاحية إلى انتقادات أوسع تطعن في بنية النظام نفسه، في مؤشر على تراجع الثقة الشعبية بإمكانية التغيير عبر الآليات القائمة.
اقرأ أيضًا :
ماذا لو سقط النظام الإيراني؟ السيناريوهات المستقبلية
الرؤساء الإيرانيون.. شخصيات رسمت مسار إيران السياسي
العقوبات الأمريكية على إيران.. 4 عقود من الضغط السياسي












