مع دخول الحرب الأمريكية على إيران يومها الرابع، تتجه الأنظار إلى مسار تصعيدي متسارع، في ظل تعهد الولايات المتحدة وإسرائيل بتكثيف الهجمات على إيران، مقابل إصرار طهران على توسيع نطاق المواجهة وإثارة الفوضى في المنطقة.
وفي هذا السياق، أكد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث عزم بلاده حسم المواجهة بشروط أمريكية، قائلاً: "سننهي هذا الأمر بشروط أمريكا أولاً التي يختارها الرئيس ترامب، وليس أي شخص آخر".
هذه النبرة أعادت إلى الأذهان تعهدًا مشابهًا أطلقه الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش عام 2001 عقب هجمات 11 سبتمبر، قبل أن تنخرط الولايات المتحدة في حروب استمرت قرابة عقدين، ما يثير تساؤلات حول احتمالات تكرار مسارات الماضي في مشهد إقليمي بالغ التعقيد.
سيناريوهات نتائج الحرب على إيران
استعرضت شبكة CNN في تحليل نشرته على موقعها الإلكتروني ثلاثة سيناريوهات محتملة لمآلات الحرب التي يخوضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران، في ظل تصاعد التوترات واتساع رقعة المواجهة.
السيناريو الأول: انتفاضة تُغير المشهد
يتمثل السيناريو الأكثر تفاؤلًا في أن تؤدي أيام من الغارات الجوية المكثفة على أدوات القمع الإيرانية إلى إشعال انتفاضة شعبية داخل البلاد تمهّد لقيام "إيران جديدة" .
السيناريو الثاني: نظام جديد بقدرات منقوصة
أما الاحتمال الأكثر تعقيدًا، وربما الأقرب للحدوث وفق التحليل، فيكمن في أن يتمكن القادة الإيرانيون الباقون من تأسيس نظام بديل يحافظ على تماسك الدولة. وفي هذا المسار، قد تنجح العملية الأمريكية في تقويض القدرات النووية والصاروخية والعسكرية التي تمثل مصدر القلق الإقليمي.
السيناريو الأسوأ: فوضى على غرار ليبيا
وفي المقابل، فإن أسوأ الاحتمالات، يتمثل في انزلاق إيران إلى فراغ في السلطة شبيه بما حدث في ليبيا، بعد سنوات من الحكم الاستبدادي. وقد يقود ذلك إلى صراعات فصائلية أو حرب أهلية، مع تداعيات تتجاوز الحدود الإيرانية، تشمل تصدير الفوضى، واندلاع أزمة لاجئين، وتعريض مخزونات اليورانيوم لخطر الوقوع في أيدي جماعات متطرفة.
غموض حول مبررات الحرب الحقيقية
يشير التحليل إلى أن الغموض الذي يحيط بأهداف الحرب قد يكون أحد أكبر عوامل الخطورة. فالإدارة الأمريكية بدت، وفق مراقبين، وكأنها تغيّر مبرراتها باستمرار.
فبينما طرح الرئيس ترامب فكرة تغيير النظام ومنح الإيرانيين "حريتهم"، تعهد أيضًا بتدمير برنامج نووي سبق أن أعلن القضاء عليه. في المقابل، شدد وزير الدفاع بيت هيغسيث على ضرورة الثأر للأمريكيين الذين قُتلوا في هجمات نُسبت لإيران أو لميليشيات مدعومة منها خلال الوجود الأمريكي في العراق. أما وزير الخارجية ماركو روبيو فبرر التحرك بأنه حرب استباقية، مشيرًا إلى أن إسرائيل كانت تخطط لمهاجمة إيران، وأن القوات الأمريكية قد تواجه ردودًا انتقامية.
يرى مراقبون أن غياب استراتيجية واضحة قد يضع الإدارة في مأزق سياسي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. وقالت السيناتور الديمقراطية جين شاهين لشبكة CNN: "لا توجد استراتيجية واضحة حقًا. نحن بحاجة إلى معرفة ما يريده الرئيس، لكن من غير الواضح كيف ستسير الأمور".
في المقابل، يبدو أن الغموض يمثل أداة سياسية للرئيس ترامب، إذ يمنحه مساحة لإعلان النصر في التوقيت الذي يراه مناسبًا، مع تجنب الانخراط في حروب برية واسعة كما حدث في العراق وأفغانستان. غير أن التاريخ يقدّم أمثلة محدودة على نجاح القوة الجوية وحدها في إحداث تغيير نظام وبناء دولة مستقرة، ما يثير شكوكًا حول مآلات الصراع إذا طال أمده.
ووفقًا لتحليل "CNN"، فإن الرئيس ترامب يبدو وأنه بدأ في تضييق نطاق أهدافه المعلنة، مؤكدًا أن الخطة تركز على القضاء على البحرية الإيرانية وبرامجها الصاروخية وطموحاتها النووية المستقبلية. كما ألمح هو ووزير الدفاع بيت هيغسيث إلى أن الإيرانيين أمام فرصة لتغيير واقعهم. وقال هيغسيث "إلى الشعب الإيراني: هذه فرصتكم".
ومن جانبه يرى إليوت أبرامز، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية والمسؤول السابق في إدارة بوش، إن الحرب قد تُفضي إلى "نظام تغيّر جذريًا حتى لو استمر في السلطة"، مرجحًا ألا يظهر قائد أعلى بصلاحيات مطلقة كما كان الحال في السابق.
وأضاف أن إيران قد تخرج من الصراع بقدرات عسكرية منقوصة بشكل كبير، مع احتمال فقدان برنامجها النووي ومنصات إطلاق الصواريخ وحتى أسطولها البحري.
وأشار إلى أن تحييد إيران ستكون له تداعيات جيوسياسية أوسع، إذ سيضعف المحور المناهض للغرب الذي يضم روسيا والصين، وقد يبطئ تدفق الطائرات المسيّرة والصواريخ إلى المجهود الحربي الروسي في أوكرانيا.
ومع ذلك، فإن رسم سيناريوهات متفائلة لمآلات الحرب قد يتجاهل تعقيدات السياسة الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، إذ كثيرًا ما اصطدمت الرؤى الموضوعة في البيت الأبيض بوقائع ميدانية مختلفة.
قال تريتا بارسي، المؤسس المشارك لمعهد كوينسي للحكم الرشيد، إن الاستراتيجية الإيرانية شهدت تحولًا ملحوظًا، موضحًا أن حسابات طهران لا تقوم بالضرورة على تحقيق نصر عسكري، بل على إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر السياسي بالرئيس ترامب قبل خسارة المواجهة.
وأضاف أن أي انخراط أمريكي مطول في إيران، حتى لو قُدّر بأسابيع لا أشهر، قد يفرض ضغوطًا سياسية كبيرة على الرئيس، الذي يحتاج إلى تحقيق إنجاز سريع في عام يشهد انتخابات التجديد النصفي.
اقرأ أيضًا:
نتنياهو يكشف المدى الزمني للحرب مع إيران
المملكة تدين الهجوم الإيراني الغاشم على السفارة الأمريكية في الرياض
هل يمنح التصعيد ضد إيران ترامب ورقة قوة مع الصين؟











