كسر خبراء التغذية النظرية القديمة حول علاقة البيض والكوليسترول، قائلين إن صفار البيض لم يعد يُنظر إليه على أنه مصدر للكوليسترول الضار بشكل كبير كما كان يُعتقد سابقًا، ما يمنح المستهلكين حرية أكبر في تضمينه ضمن نظامهم الغذائي.
وتأتي هذه التغيرات نتيجة إعادة تقييم أثر الكوليسترول الغذائي على صحة القلب. فمنذ ستينيات القرن الماضي، كانت الإرشادات الغذائية توصي بعدم تجاوز 300 ملغ من الكوليسترول يوميًا، اعتمادًا على الاعتقاد السائد أن الكوليسترول الموجود في الطعام يرفع مستوياته في الدم ويزيد خطر الإصابة بأمراض القلب. وكان صفار البيض يُعد من أبرز مصادر الكوليسترول الغذائي.
ومع ذلك، ألغيت هذه التوصية رسميًا في عام 2016 بعد أن أظهرت الدراسات الحديثة أن الرابط بين الكوليسترول الغذائي وأمراض القلب ضعيف، وأن الدهون المشبعة هي العامل الأكثر تأثيرًا على مستويات الكوليسترول في الدم. وأكدت دراسة نشرت في عام 2025 في المجلة الأمريكية للتغذية السريرية أن تناول بيضتين يوميًا ضمن نظام غذائي منخفض الدهون المشبعة يقلل من مستويات الكوليسترول الضار (LDL) بعد خمسة أسابيع، بينما لم يلاحظ أي تأثير عند اتباع نظام غني بالكوليسترول والدهون المشبعة، سواء مع تناول بيضة واحدة أسبوعيًا أو بدونها.
وإلى جانب الكوليسترول، يحتوي صفار البيض على معظم العناصر الغذائية المهمة، وفقًا لكيث أيوب، أخصائي التغذية المسجل في نيويورك والأستاذ الفخري المشارك في كلية ألبرت أينشتاين للطب. ويشير أيوب إلى أن الاستغناء عن الصفار يحرم الجسم من فيتامينات ومعادن أساسية مثل الكولين، فيتامينات A وD وE وK، وحمض الفوليك، إضافة إلى الأحماض الأمينية وأحماض أوميغا-3 واللوتين والزياكسانثين.
تقنين استهلاك صفار البيض
رغم ذلك، هناك أسباب وجيهة للحد من استهلاك الصفار لبعض الأشخاص. ويوضح ديفيد إل. كاتز، أخصائي الطب الوقائي والرئيس السابق للكلية الأمريكية لطب نمط الحياة، أن معظم الكوليسترول في الدم يُنتج داخليًا في الكبد وليس مأخوذًا مباشرة من الطعام، وأن العوامل الوراثية تحدد كمية الكوليسترول التي يصنعها الكبد وقدرته على التخلص منه. كما أن بعض الأفراد حساسون للكوليسترول الغذائي بدرجة أكبر من الآخرين، بينما لا يتأثر آخرون بنفس القدر.
ويضيف أيوب أن النظام الغذائي لا يزال مؤثرًا، لكن ليس بنفس الطريقة التي كان يُعتقد. فالدهون المشبعة هي المسبب الرئيسي لارتفاع الكوليسترول الضار (LDL)، حيث تمنع الكبد من إزالة الكوليسترول من الدم وتزيد إنتاج البروتين الشحمي B، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات جزيئات الكوليسترول في الدم وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. لذلك، ينصح الخبراء بالتركيز على الحد من الدهون المشبعة في النظام الغذائي، بما يشمل الزبدة، منتجات الألبان كاملة الدسم، واللحوم الحمراء، والأجبان، والزيوت الاستوائية مثل زيت جوز الهند، على أن لا تتجاوز 10% من إجمالي السعرات الحرارية اليومية، أو 20 غرامًا في اليوم.
ويؤكد أيوب أن المشكلة في كثير من الأحيان ليست البيض نفسه، بل الأطعمة المصاحبة له، مثل الزبدة، اللحم المقدد، أو الخبز المحمص المدهون بالزبدة. أما تناول البيض مع الخضار أو الفاكهة فيعتبر خيارًا صحيًا.
وفيما يخص الكمية الموصى بها، تحتوي البيضة الكبيرة على نحو 3 غرامات بروتين، و22 ملغ كالسيوم، و66 ملغ فوسفور، و19 ملغ بوتاسيوم، و10 ميكروغرامات سيلينيوم، بالإضافة إلى فيتامينات A وD وE وK، وحمض الفوليك والكولين، والأحماض الأمينية وأحماض أوميغا-3، إضافة إلى اللوتين والزياكسانثين. وتجعل هذه العناصر الغذائية البيض مصدرًا مهمًا لدعم صحة الدماغ والقلب.
كمية البيض المناسبة لكل فئة عمرية
توصي جمعية القلب الأمريكية بأن البالغين الأصحاء يمكنهم تناول بيضة أو بيضتين يوميًا بأمان، حيث تحتوي كل بيضة على نحو 206 ملغ من الكوليسترول، لكن يجب مراعاة العوامل الوراثية التي تؤثر على امتصاص الكوليسترول من الطعام، ومراقبة مستوى الكوليسترول الشخصي وعادات الطعام.
أما الأشخاص الذين يعانون من ارتفاع نسبة الكوليسترول يمكنهم تناول ما يصل إلى أربعة صفار بيض أسبوعيًا، في حين يمكن لأولئك الأصحاء مع تاريخ عائلي للكوليسترول تناول ما يصل إلى ستة صفار بيض أسبوعيًا، وفقًا لجوليا زومبانو، أخصائية التغذية في مركز كليفلاند كلينك.
وللحفاظ على وجبات البيض صحية، ينصح أيوب بطهي البيض باستخدام زيت الزيتون أو الزيوت النباتية بدل الزبدة، ومزجه مع الخضروات أو الحبوب الكاملة أو الفول، حيث تساعد الأطعمة الغنية بالألياف على منع إعادة امتصاص الكوليسترول من الدم. وبفضل الفهم العلمي الحديث، أصبح البيض خيارًا غذائيًا صحيًا ومغذيًا متعدد الاستخدامات وغير مكلف، ويؤكد أيوب أن البيض يعد غذاءً مثاليًا يمكن تضمينه بانتظام ضمن النظام الغذائي اليومي دون خوف من الكوليسترول الضار.
اقرأ أيضًا:
أدوية الكوليسترول الجديدة يمكن أن تضر الرئتين.. لماذا؟
الكوليسترول.. كيف يمكن خفض نسبته بالنظام الغذائي؟
دراسة: آكلو اللحوم أكثر حظًا لبلوغ سن المئة













