صادق مجلس الشيوخ الأمريكي، أمس الأربعاء، على تعيين كيفن وارش رئيسًا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي خلفًا لجيروم باول، بأغلبية 54 صوتًا مقابل 45، في أكثر تصويت حزبي انقسامًا بتاريخ المصادقة على رئاسة البنك المركزي.
ويبدأ وارش مهامه وسط ارتفاع معدلات التضخم وضغوط سياسية متزايدة على الاحتياطي الفيدرالي، بعدما شهدت ولاية باول الممتدة لثماني سنوات أزمات اقتصادية وصدامات متكررة مع إدارة دونالد ترامب دفاعًا عن استقلالية البنك المركزي.
طريق صعب إلى المنصب
استغرق اختيار رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي عدة أشهر، وسط ضغوط من السيناتور الجمهوري توم تيليس لشطب تحقيق متعلق بشهادة سابقة لجيروم باول أمام الكونغرس بشأن تجاوزات في تكاليف تجديد مقر البنك بواشنطن، وفقًا لشبكة "سي.إن.إن" الأمريكية.
وأثار التحقيق مخاوف بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، بينما وصفه "باول" بأنه "مُسيس" ونتيجة "للتهديدات والضغوط المستمرة" من إدارة ترامب، وفي النهاية، أُغلق التحقيق الذي قادته المدعية العامة جانين بيرو، مع إمكانية إعادة فتحه إذا ظهرت أدلة على سوء تصرف أو تقصير.
ومن المقرر أن يعقد وارش أول اجتماع له كرئيس للاحتياطي الفيدرالي يومي 16 و17 يونيو، بينما سيبقى باول عضوًا بمجلس المحافظين، مؤكدًا دعمه لوارش "بأي طريقة ممكنة".
رفع الفائدة.. أول اختبار
يُنظر إلى وارش باعتباره أقرب إلى توجهات ترامب الداعية لخفض أسعار الفائدة، لكنه يتولى المنصب في وقت قفز فيه التضخم خلال أبريل إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات بفعل الحرب مع إيران.
قال أفيري شينفيلد، كبير الاقتصاديين في سي.آي.بي.سي "CIBC"، إن وارش "سيُختبر منذ اليوم الأول"، مشيرًا إلى أن ترامب يريد خفضًا فوريًا للفائدة، موضحًا "ومن غير المرجح أن يصوّت وارش لصالح ذلك على المدى القصير".
وتتوقع الأسواق إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية العام، مع احتمال رفعها إذا استمرت ضغوط التضخم، رغم ضغوط ترامب الذي مازح سابقًا بأنه سيقاضي وارش إذا لم يخفض الفائدة.
ورغم منصبه، يمتلك رئيس الاحتياطي الفيدرالي صوتًا واحدًا فقط داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، فيما أبدى عدد من الأعضاء مخاوف واضحة بشأن التضخم.
الأسواق تترقب
أظهرت دراسة لـ"بنك باركليز" أن رؤساء الاحتياطي الفيدرالي الجدد غالبًا ما يواجهون تراجعًا في أسواق الأسهم خلال الأشهر الأولى من توليهم المنصب، بحسب موقع "Market Watch" منصة مالية رائدة.
وقال داريو بيركنز من "تي إس لومبارد" إن رؤساء الفيدرالي الجدد يحاولون أحيانًا إثبات مصداقيتهم عبر تبني سياسات أكثر تشددًا من المتوقع، مستشهدًا بانهيار "الاثنين الأسود" عام 1987 بعد رفع آلان جرينسبان أسعار الفائدة بشكل مفاجئ.
استقلالية الاحتياطي الفيدرالي
ويواجه وارش تحديات تتعلق بإثبات استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وإقناع الأسواق برؤيته لـ"اقتصاد العصر الذهبي" القائم على دور الذكاء الاصطناعي في رفع الإنتاجية وخفض التكاليف.
لكن هذه الرؤية لا تحظى بإجماع داخل البنك المركزي، وكتب إيثان هاريس، كبير الاقتصاديين السابق في "بنك أوف أمريكا"، أن مسؤولي الفيدرالي لا يبدون اقتناعًا بـ"العصر الذهبي".
كما حذرت جانيت يلين، رئيسة الاحتياطي الفيدرالي السابقة، من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى زيادة الطلب والاستثمار، بما يعزز معدلات التضخم بدلًا من تخفيفها.
تغييرات مرتقبة داخل الفيدرالي
ألمح وارش إلى رغبته في تقليص الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي البالغة 6.7 تريليون دولار، وخفض اجتماعات السياسة النقدية من ثمانية إلى أربعة سنويًا، مع تقليل المؤتمرات الصحفية وحجم القوى العاملة في واشنطن.
كما يدعو إلى تقليص الإشارات المسبقة بشأن مسار الفائدة، وهو ما يرى محللو "جي بي مورغان" أنه يقع ضمن صلاحياته.
وانتقد وارش لسنوات التوسع في شراء الأصول بعد الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا، معتبراً أن "التيسير الكمي" يضعف استقلالية البنك المركزي لأنه يتحول عمليًا إلى دعم مالي للحكومة.
تحدي التغيير من الداخل
وقال نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق دونالد كون إن انتقادات وارش اتسمت بـ"نبرة لاذعة"، مشيرًا إلى أن الرئيس الجديد سيحتاج إلى "حشد الأدلة والتحليلات" لدعم توجهاته داخل المؤسسة.
ويرى مسؤولون سابقون أن بعض أهداف وارش، مثل تقليص الميزانية العمومية وتحسين التواصل، تحظى بدعم داخل الفيدرالي، رغم استمرار الجدل حول سرعة تنفيذها.
جدير بالذكر أن وارش، البالغ من العمر 56 عامًا، كان أصغر محافظ في تاريخ الاحتياطي الفيدرالي بين 2006 و2011، وتحول لاحقًا إلى أحد أبرز منتقدي المؤسسة.














