تتصاعد في الأوساط المالية الأوروبية تساؤلات حول ما إذا كانت إيطاليا باتت تتحول تدريجيًا إلى ملاذ ضريبي جديد يجذب أصحاب الثروات حول العالم، في ظل انتقادات فرنسية متكررة لسياسات روما الضريبية التي تستقطب مقيمين أجانب من أصحاب الدخول المرتفعة.
ومع تزايد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتأثيراتها على دول الخليج، برزت إيطاليا كخيار أكثر جاذبية لبعض الأثرياء الباحثين عن الاستقرار ونمط حياة مختلف.
وفي هذا السياق، يروي رجل أعمال فرنسي يُدعى روبرت لشبكة "بي بي سي" تجربته من داخل مطار شارل ديغول، مؤكدًا أن قراره بمغادرة فرنسا لم يكن مدفوعًا بالضرائب وحدها، بل ارتبط أيضًا برغبته في تغيير نمط حياته والانتقال إلى إيطاليا لما تتمتع به من طابع معيشي وفني وثقافي مميز. ومع ذلك، يقر بأن النظام الضريبي الإيطالي لعب دورًا مهمًا في تسهيل هذه الخطوة، خصوصًا ما يتعلق بالمزايا المخصصة للأثرياء الأجانب.
مميزات النظام الضريبي الإيطالي
بحسب النظام الإيطالي، يمكن للأفراد ذوي الثروات العالية الاستفادة من ضريبة سنوية ثابتة على الدخل القادم من خارج البلاد، بغض النظر عن حجمه، إلى جانب إعفاءات ضريبية أخرى مرتبطة بالإقامة والممتلكات. وجعل هذا النموذج إيطاليا تبدو، بالنسبة للبعض، بيئة أكثر مرونة مقارنة بعدد من الدول الأوروبية الأخرى.
روبرت، الذي يصف وضعه المالي بأنه ضمن فئة “الثراء المتوسط”، انتقل إلى إيطاليا قبل نحو ثماني سنوات بعد إنهاء مسيرته في قطاع التقنية وبيع شركته. ويشير إلى أن مزايا النظام الضريبي الإيطالي أصبحت أكثر وضوحًا بالنسبة له مع مرور الوقت، حتى وإن لم يكن ضمن فئة المليارديرات الذين غادر بعضهم فرنسا بحثًا عن بيئات ضريبية أقل ضغطًا.
ويقارن روبرت بين تكاليف شراء العقارات في فرنسا وإيطاليا، موضحًا أن فرنسا تفرض رسوم توثيق مرتفعة تذهب في جزء كبير منها إلى الدولة، بينما تمنح إيطاليا إعفاءً على العقار الأول. كما يلفت إلى أن الضرائب المرتبطة بالثروة العقارية في فرنسا تطورت خلال السنوات الأخيرة، في حين أن إيطاليا لا تطبق نظامًا مشابهًا بنفس الوتيرة أو الشمول.
وفيما يتعلق بالميراث، يشير إلى أن الفروقات بين البلدين تبدو لافتة، إذ تفرض فرنسا ضرائب تصاعدية قد تصل إلى نسب مرتفعة بعد حدود إعفاء منخفضة نسبيًا، بينما تعتمد إيطاليا سياسة أكثر تساهلًا، مع نسب أقل على التركات الكبيرة مقارنة بالمعايير الفرنسية، ما يعزز جاذبيتها لدى أصحاب الأصول.
من جانب آخر، يرى مستشارون في مجال هجرة الثروات أن النظام الضريبي الإيطالي يمنح وضوحًا واستقرارًا نسبيًا للأفراد ذوي الدخل المرتفع، خصوصًا أولئك الذين يبحثون عن سقف واضح للالتزامات الضريبية، بدلًا من التعقيدات والتغيرات المتكررة في بعض الأنظمة الأوروبية الأخرى.
عدم استقرار السياسات الفرنسية
وفي المقابل، يحذر خبراء قانونيون في باريس من تزايد رغبة بعض أصحاب الأعمال في مغادرة فرنسا، نتيجة عدم الاستقرار في السياسات الضريبية وتكرار التعديلات عليها، إضافة إلى المخاوف من تغييرات محتملة بعد الاستحقاقات السياسية المقبلة، ما يدفع البعض للتفكير الجدي في نقل مقار أعمالهم خارج البلاد.
لكن هذه التحركات لا تزال، بحسب هؤلاء الخبراء، في مرحلة الدراسة والتخطيط أكثر من كونها قرارات تنفيذية واسعة، إذ تتطلب إجراءات معقدة تتعلق بنقل الشركات والالتزامات الضريبية، وهو ما يجعل الانتقال الكامل خطوة تحتاج إلى استعداد طويل المدى.
في المقابل، تتداخل هذه التحولات مع نقاشات أخرى تتعلق بدور الإمارات العربية المتحدة كوجهة رئيسية للأثرياء، خصوصًا في دبي التي تعتمد نظامًا ضريبيًا شبه معدوم. إلا أن خبراء يرون أن الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة قد تدفع بعض المقيمين إلى إعادة تقييم خياراتهم، رغم أن تغيير نمط الحياة والانتقال من بيئة منخفضة الضرائب إلى أخرى مختلفة تمامًا يظل قرارًا معقدًا.
وفي المحصلة، يبدو أن المنافسة بين الوجهات الجاذبة للثروات لم تعد محصورة في الضرائب وحدها، بل باتت تشمل عوامل الاستقرار ونمط الحياة والظروف الإقليمية، وهو ما قد يعيد رسم خريطة انتقال الأثرياء بين أوروبا والخليج خلال السنوات المقبلة.
اقرأ أيضًا:
باحث اقتصادي يوضح أداء السوق المالية رغم التوترات السياسية
توقعات اقتصادية قاتمة في ظل استمرار حرب إيران
الاستثمار في 2026.. كيف يفكر أصحاب المليارات؟














