لم تعد عبارة "الطائرة على الأرض" في قاموس الملاحة العالمية تعني الاستراحة، بل باتت إشارة انطلاق لـ "عداد خسائر" مالي لا يتوقف، خاصة مع الشلل التام الذي أصاب كبرى مطارات المنطقة.
في أعقاب الضربات العسكرية المتبادلة في الشرق الأوسط، تحولت مطارات دبي والدوحة وأبوظبي من مراكز ربط عالمية إلى "مواقف قسرية" عملاقة، مما فجر موجة من خسائر قطاع الطيران تتصاعد تكلفتها مع كل ساعة تأخير عن الإقلاع المجدول.
فاتورة "السكون" التي تعمّق خسائر قطاع الطيران
تشير التقديرات التشغيلية أن بقاء الطائرة جاثمة في المطار يكبّد الشركات مبالغ طائلة تتراوح بين 5,600 و15,000 ريال للساعة للطائرات ضيقة البدن، بينما تقفز هذه الأرقام بشكل مرعب لتصل إلى 45,000 ريال للساعة للطائرات عريضة البدن مثل "بوينغ 777".
ولا تتوقف خسائر قطاع الطيران عند رسوم مواقف المطارات فحسب، بل تمتد لتشمل حزمة تكاليف تشغيلية خانقة، منها استهلاك الطاقة الأرضية، وخدمات المناولة، وتكاليف إقامة أطقم الطيران التي تجاوزت ساعاتها النظامية، فضلاً عن التعويضات الفندقية لآلاف المسافرين العالقين.
بموازاة ذلك، أظهرت خرائط الملاحة الجوية فراغًا شبه تام في أجواء إيران والعراق والكويت والإمارات وقطر، حيث أُجبرت شركات الطيران على إلغاء آلاف الرحلات أو تحويل مساراتها بعيدًا عن مناطق الصراع.
عمّق هذا الشلل اللوجستي من خسائر قطاع الطيران عالميًا، خاصة وأن مطارات مثل دبي والدوحة تمثل "عنق الزجاجة" الذي يربط الشرق بالغرب؛ فتعطل هذه العقد الحيوية يعني بقاء الطائرات والأطقم في مواقع غير صحيحة، مما يربك جداول الرحلات في مطارات بعيدة مثل لندن وسنغافورة وبالي.
تداعيات الصراع الميداني على "عداد الوقوف"
تواجه شركات الطيران تحديًا أمنيًا إضافيًا يتمثل في تضرر البنية التحتية لبعض المطارات؛ حيث طالت الهجمات أجزاءً من مطار دبي الدولي ومنشآت في أبوظبي والكويت، مما يجعل العودة للتشغيل الطبيعي أمرًا معقدًا حتى في حال فتح الأجواء.
وتساهم هذه الأضرار المادية في مضاعفة خسائر قطاع الطيران، إذ تضطر الشركات لإعادة جدولة شبكاتها بالكامل، وهي عملية تقنية ومالية باهظة التكلفة، تضاف إلى "عداد الوقوف" الذي ينهش ميزانيات الناقلات الوطنية والإقليمية.
ووفقًا لآخر إخطارات الطيارين (NOTAM)، فإن إغلاق الأجواء الإيرانية بسبب الهجمات الأمريكية الإسرائيلية مرشح للاستمرار حتى مطلع مارس الجاري على الأقل، مما يعني أن نزيف الأموال سيستمر لفترة أطول مما كان متوقعًا.
ويرى خبراء أن هذه الأزمة تمثل واحدة من أقسى الصدمات التي تعرض لها القطاع في السنوات الأخيرة، حيث تتداخل فيها التكاليف التشغيلية المباشرة مع الخسائر الاستراتيجية الناتجة عن فقدان ثقة المسافرين وتوقف تدفقات "الترانزيت" العالمية عبر المنطقة الملتهبة.












