يثير مصطلح "ابن الشركة المخلص" الذي يُستخدم لوصف الموظف الذي يظهر ولاءً شديدًا ويتجاوز ساعات العمل الرسمية، تساؤلات حول ما إذا كان نموذجًا حقيقيًا للإخلاص المهني أم وسيلة لاستغلال الموظف.
وفي الوقت الذي يراه البعض نموذجًا للإخلاص والتفاني، يحذر خبراء الموارد البشرية من أن هذا المصطلح قد يتحول إلى استغلال وظيفي يضر بصحة الموظف وحياته الشخصية إذا لم يتم التعامل معه بشكل متوازن.
ليس إخلاصًا.. بل استنزاف!
يقول الأستاذ ناصر الواصلي، مستشار الموارد البشرية، إن الموظف الذي يصل إلى مرحلة الإرهاق المستمر ليس مخلصًا للمنظمة، بل مستنزفًا. إذ إن المخلص الحقيقي هو من يوازن بين أداء مهامه وولائه للمؤسسة وبين حياته الشخصية، ولا يعني الالتزام المهني الاستنزاف، بل القدرة على إدارة الوقت والمسؤوليات بشكل متوازن.
وأوضح الواصلي خلال استضافته في برنامج "يا هلا" على قناة "روتانا خليجية"، أن تحقيق التوازن يتم عبر أطر واضحة، تشمل تنظيم الوقت، وتحديد حدود واضحة للعمل، تعلم قول "لا"، وعدم قبول كل المهام الإضافية، وعدم القيام بكل الوظائف بنفسه. وأضاف أن الاعتماد على الموظف ليس دائمًا نتيجة الثقة، بل قد يكون استغلالًا إذا استُنزف بشكل مستمر.
وحول الضغط الناتج عن طلب المدير العمل لساعات إضافية، أشار الواصلي إلى أن أي عمل إضافي يجب أن يكون له قيمة مضافة للموظف، سواء مادية أو معنوية. وإلا، يصبح العمل استنزافًا وظيفيًا يؤدي إلى احتراق مهني. وأكد أن الولاء لا يعني طاعة مستمرة، بل تقديم نتائج ملموسة تحقق قيمة للمنظمة.
وشدد على أن كل جهد إضافي يجب أن يكون مقابل مال أو تعويض، لأن العلاقة بين الموظف والمنظمة تقوم على العطاء مقابل المقابل. وأوضح أن فقدان هذا المبدأ يؤدي إلى استغلال وظيفي، مشيرًا إلى حالات موظفين يعملون لساعات إضافية طويلة بدون مقابل، ما يخلق ضغطًا نفسيًا ويؤدي في النهاية إلى شعورهم بالاحتراق الوظيفي وفقدان الشغف.
وأشار الواصلي إلى تجارب عملية، حيث وجد أن بعض الموظفين في مؤسسات كانوا يعملون 9 ساعات يوميًا و6 أيام في الأسبوع، لكن تحليل العمل أظهر أن نفس النتائج يمكن تحقيقها في 7 ساعات. وعند ربط الإنتاجية بالحوافز بدلًا من عدد الساعات، تحسنت النتائج بنسبة كبيرة، ما يوضح أن ثقافة العمل الطويل لا تعكس بالضرورة إنتاجية أفضل.
ضمان حقوق الموظف
وتطرق الواصلي إلى التطوع لساعات إضافية، موضحًا أن ذلك مقبول إذا كان يحقق تعلمًا أو تطويرًا مهنيًا للموظف، خصوصًا في السنوات الأولى من العمل، لكنه حذر من التطوع المستمر دون مقابل أو فائدة، لأنه يؤدي إلى استنزاف الموظف دون أي عائد شخصي أو مهني.
وفيما يخص دور الموارد البشرية، أكد الواصلي أنها مسؤولة عن حماية حقوق الموظفين، من خلال وضوح السياسات والإجراءات المتعلقة بساعات العمل والحوافز، وضمان عدم تحميل الموظف ساعات إضافية بدون مقابل. وأوضح أن الموارد البشرية ليست ضالعة في ظلم الموظف، لكن أحيانًا الصلاحيات تكون محدودة، لذلك من المهم توثيق الحقوق حتى إذا لم يتمكن القسم من منحها مباشرة.
وأضاف أن الاستغلال الوظيفي غالبًا يحدث عندما يكون الموظف يعطي الكثير بدون مقابل، خاصة إذا تغير المدير أو أسلوب التواصل داخل المنظمة. وأكد أن الموظف المخلص يجب أن يكون بارًا بأداء مهامه ومسؤولياته ضمن إطار الوقت المحدد، وأن يكون الولاء للإنجازات والقيمة المضافة وليس مجرد التواجد لساعات طويلة. كما تناول الواصلي الفرق بين الموظف الذي يختار التطوع لساعات إضافية بهدف التعلم وتطوير نفسه، وبين الموظف الذي يُستغل للعمل بلا مقابل. التطوع يجب أن يعود بالنفع على الموظف، أما العمل الإضافي بلا قيمة مضافة فهو استنزاف يؤدي إلى الاحتراق الوظيفي.
وفي نصيحته للشركات، شدد الواصلي على ضرورة بناء سياسات واضحة لساعات العمل والحوافز، وعدم الطلب من الموظف العمل لساعات إضافية دون مقابل، مع التركيز على تحفيز الموظفين لتحقيق النتائج ضمن ساعات أقل، وبالتالي خلق قيمة مضافة للموظف وللمنظمة في الوقت ذاته. وختم بالقول إن مصطلح "ابن الشركة المخلص" يجب إعادة النظر فيه، مقترحًا استخدام فكرة "شريك النجاح" بدلًا من ذلك، لأن الولاء للمنظمة يرتبط بالنتائج والقيمة المتبادلة وليس بالاستنزاف، بينما الولاء الحقيقي للبر يرتبط بالوالدين وليس بالمنظمات.
اقرأ أيضًا:
أي مشروع يمكن أن يجعلك مليونيرًا.. لكن وفق هذه الشروط
الضغط النفسي ليس دائمًا عدو الإبداع في العمل
إنفوجرافيك| أعلى متوسط رواتب في أوروبا














