في الثامن عشر من مايو 2026، غيّب الموت عن عمر ناهز 93 عاماً أحد أبرز عمالقة قطاع التجزئة في العالم، رجل الأعمال الياباني توشيفومي سوزوكي، إثر أزمة قلبية تعرّض لها داخل منزله في العاصمة اليابانية طوكيو.
ويُعرف سوزوكي تاريخياً بلقب "الأب الروحي للمتاجر الصغيرة" في اليابان، والرجل الذي نجح في تحويل سلسلة المتاجر الصغيرة الأمريكية الشهيرة Eleven - 7 من مجرد متاجر محلية محدودة إلى إمبراطورية تجارية ضخمة تهيمن على أسواق التجزئة حول العالم.
من قلب ناغانو إلى عالم التجارة والمعرفة
وُلد توشيفومي سوزوكي في الأول من ديسمبر عام 1932 في مقاطعة ناغانو وسط اليابان، ونشأ في بيئة يابانية تقليدية، عُرف فيها منذ طفولته بشغفه بالقراءة وقدرته الكبيرة على التحليل والتخطيط الاستراتيجي.
التحق بجامعة جامعة تشوو العريقة في طوكيو، وتخرج فيها عام 1956.
وبدأ مسيرته المهنية بعيداً عن قطاع الأغذية، حين انضم إلى شركة طوكيو شوبان هانبرا، المعروفة حالياً باسم Tohan Corp، وهي إحدى أكبر شركات توزيع الكتب والمطبوعات في اليابان.
وقد أسهمت هذه المرحلة في صقل خبرته بفهم سلوك المستهلكين وإدارة سلاسل التوريد والتوزيع، قبل أن ينتقل عام 1963 إلى قطاع التجزئة عبر الانضمام إلى شركة إيتو يوكادو المتخصصة في بيع السلع والملابس.
كيف وُلدت معجزة "الكونبيني"؟
في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وخلال رحلة عمل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لاحظ سوزوكي انتشار متاجر صغيرة تتبع شركة ساوثلاند وتحمل اسم 7-Eleven.
وفي ذلك الوقت، كانت اليابان تعتمد بصورة شبه كاملة على المتاجر الكبرى والسوبرماركت الضخمة، إلا أن سوزوكي امتلك رؤية مختلفة؛ إذ رأى أن نمط الحياة السريع في المجتمع الياباني يحتاج إلى متاجر صغيرة قريبة من الأحياء السكنية، توفّر الاحتياجات اليومية بصورة سريعة ومرنة.
واجه سوزوكي معارضة حادة من مجلس إدارة شركته، إذ اعتقد كثيرون أن المتاجر الصغيرة لن تتمكن من منافسة الأسواق الكبرى، لكنه استطاع إقناع مؤسس المجموعة ماساتوشي إيتو بخوض التجربة، ليوقّع لاحقاً اتفاقية امتياز تجاري مع الشركة الأمريكية.
وفي عام 1974، افتتح أول متجر لسلسلة 7-Eleven في منطقة تويوسو بالعاصمة طوكيو، ليشكّل ذلك الانطلاقة الحقيقية لما يُعرف اليوم في الثقافة اليابانية باسم "الكونبيني"، أي المتاجر الصغيرة متعددة الخدمات.
من متجر صغير إلى إمبراطورية عالمية
لم يكتفِ سوزوكي بنقل الفكرة الأمريكية كما هي، بل أعاد صياغتها بما يتناسب مع المجتمع الياباني، وطورها بصورة ثورية جعلت اليابان تتصدر قطاع التجزئة عالمياً.
ومن أبرز ابتكاراته تطوير نظام ذكي لإدارة المخزون يعتمد بالكامل على تحليل البيانات اليومية للمبيعات، بهدف معرفة السلع الأكثر طلباً وتوفيرها بسرعة ودقة، بالتوازي مع إنشاء منظومة لوجستية متطورة تسمح بإعادة تزويد المتاجر بالبضائع عدة مرات يومياً للحفاظ على جودة المنتجات وطزاجتها.
وبفضل هذه الرؤية، لم تعد متاجر "الكونبيني" مجرد متاجر بقالة تقليدية، بل تحولت إلى مراكز خدمات متكاملة يعتمد عليها المواطن الياباني في تفاصيل حياته اليومية، حيث أصبح بإمكانه دفع فواتير الخدمات العامة، والسحب النقدي من أجهزة الصراف الآلي، وحجز التذاكر، وشراء الوجبات الطازجة والجاهزة مثل كرات الأرز اليابانية "أونيغيري" وغيرها من المنتجات الغذائية السريعة.
وتُوّجت هذه المسيرة بواحدة من أبرز الصفقات في تاريخ قطاع التجزئة، فبعد تعرض الشركة الأمريكية الأم "ساوثلاند" لأزمات مالية حادة في تسعينيات القرن الماضي كادت تؤدي إلى إفلاسها، تدخلت الشركة اليابانية بقيادة سوزوكي للاستحواذ على حصة الأغلبية، قبل أن تستحوذ بالكامل على العلامة التجارية بحلول عام 2005 تحت مظلة مجموعة Seven & i Holdings، في مشهد بدا وكأن التلميذ أصبح أستاذاً، بينما انتقلت قيادة هذه الإمبراطورية التجارية من أمريكا إلى اليابان.
الغروب الأخير.. وإرث يمتد عبر 80 ألف متجر
تولى سوزوكي منصب الرئيس التنفيذي لشركة 7-Eleven اليابان عام 1978، ثم صعد لاحقاً لقيادة المجموعة بأكملها.
وعُرف بأسلوبه الإداري الصارم وشخصيته القيادية الكاريزمية، كما شارك في قيادة الاتحاد الاقتصادي الياباني "كيدانرين".
وفي عام 2016، وبعد خلافات داخلية داخل مجلس الإدارة بشأن خطط تعيين قيادات جديدة للمناصب العليا، قرر التنحي عن مناصبه التنفيذية، مكتفياً بمنصب "المستشار الفخري".
ورحل توشيفومي سوزوكي تاركاً خلفه إرثاً تجارياً هائلاً يضم أكثر من 80 ألف متجر حول العالم، تستقبل يومياً ملايين الزبائن، وتواصل تقديم نموذج غيّر مفهوم التسوق الحديث، وحوّل "المتجر الصغير" إلى قلب نابض للحياة اليومية.
اقرأ أيضًا:
حمد الجميح.. مسيرة حافلة في عالم الصناعة والتجارة السعودية
تسريحات عمالقة التقنية تثير مخاوف أزمة وظائف
لماذا يتجاهل عمالقة التقنية مخاوف فقاعة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي؟













