الضغط النفسي تجربة إنسانية شائعة، تتسلل إلى الجسد فتثقله، وإلى العقل فتربكه، وتترك أثرها على طريقة تفكيرنا وأدائنا اليومي، ومع تسارع وتيرة الحياة وتزايد التوقعات أصبح التوتر جزءًا لا يتجزأ من واقع العمل المعاصر، حيث يجد كثيرون أنفسهم محاصرين بمهام متراكمة ومسؤوليات متزايدة، فيشعرون بأن الضغط قوة مستمرة لا يمكن الإفلات منها.
وتشير دراسات حديثة، من بينها أبحاث لجامعة ييل، إلى أن التوتر المزمن قد ينعكس سلبًا على الصحة النفسية والجسدية، إلا أن التعرض للضغط لا يعني بالضرورة تراجع القدرة على الإبداع أو انطفاء شرارة الابتكار، ففي بعض الحالات يمكن للضغط أن يتحول من عبء خانق إلى قوة دافعة، إذا توافرت الموارد النفسية والمهنية المناسبة، مثل الشغف بالعمل ووجود بيئة داعمة تساعد على إعادة توجيه الطاقة الناتجة عن التوتر نحو التفكير بعمق، وإيجاد حلول إبداعية، والتعامل مع التحديات بقدر أكبر من الوضوح والتركيز.
الضغط وحده لا يكفي لتحديد الإبداع
تشير الأبحاث إلى أن وجود الضغوط النفسية أو الجسدية وحده لا يكفي لتفسير الفروق في القدرة على الإبداع بين الأفراد. العامل الحاسم يتمثل في نوعية الضغوط، والظروف المحيطة، والموارد المتاحة التي تساعد الشخص على التعامل معها. هذه العناصر مجتمعة تؤثر على كيفية استجابة الفرد للتحديات، وهل يراها عائقًا أم فرصة للنمو والتطور.
وفي سياق بيئة العمل، يميز الباحثون بين نوعين أساسيين من الضغوط: ضغوط التحدي، وهي الضغوط التي يمكن مواجهتها بالجهد والمهارات، مثل إدارة عدة مشاريع في وقت محدود، والتي تتطلب تنظيمًا عاليًا وتركيزًا مستمرًا.
في المقابل، هناك ضغوط العوائق، مثل التعقيدات الإدارية والإجراءات البيروقراطية، التي لا تضيف قيمة حقيقية للعمل، لكنها تجعل الوصول إلى النتائج أكثر صعوبة وإحباطًا.
دراسة أُجريت في بيئة مستشفى عالية الضغط أوضحت أن الموارد التي يمتلكها الموظفون تلعب دورًا محوريًا في تحويل الضغط إلى إبداع. وكان من أبرز هذه الموارد الشغف بالعمل؛ ذلك الدافع الداخلي الذي يمنح الشخص معنى لما يقوم به، ويدفعه للتفكير في أهدافه المستقبلية، ووضع خطط واضحة ومنهجية لتحقيقها.
الشغف لا يغذي الإبداع فقط، بل يعزز القدرة على المثابرة في أصعب الظروف، ويجعل الفرد أكثر استعدادًا لمواجهة العقبات دون فقدان الحافز أو التشتت.
أما المورد الثاني، فيتمثل في القدرة على التعبير عن الرأي بحرية، بما يشمل طرح الأفكار، وإبداء الملاحظات، وحتى توجيه الانتقادات والتحذيرات. هذه القدرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بثقافة المؤسسة؛ فبعض بيئات العمل تشجع على الحوار المفتوح وتبادل الآراء، بينما تسود في بيئات أخرى ثقافة الصمت والخوف، مما يحد من الابتكار ويؤثر سلبًا على الثقة بالنفس.
الإبداع في سياق العمل
ركزت الدراسة كذلك على الإبداع العملي المرتبط بالمهام اليومية، مثل اقتراح أساليب جديدة لتحقيق الأهداف، وابتكار حلول للمشكلات، ووضع خطط قابلة للتنفيذ للأفكار الجديدة. وأظهرت النتائج أن أكثر الأفراد إبداعًا هم أولئك الذين يواجهون مستويات مرتفعة من الضغط، سواء من تحديات العمل أو من العوائق التنظيمية، لكنهم في الوقت نفسه يمتلكون موارد قوية تدعمهم، كالشغف العميق بعملهم، وقدرتهم على التعبير عن آرائهم بثقة ووضوح.
في المقابل، تبين أن الأشخاص الذين يواجهون ضغطًا متوسطًا ويمتلكون موارد محدودة ما زالوا قادرين على حماية إبداعهم من التأثيرات السلبية للضغط، حتى وإن لم يصلوا إلى مستويات إبداع استثنائية. وهذا يوضح أن توافر حد أدنى من الموارد الشخصية والبيئية قد يكون كافيًا للحفاظ على مستوى جيد من الابتكار رغم التحديات.
في النهاية، لا تعني تجربة الضغط بالضرورة تراجع القدرة على الإبداع؛ فالضرورة كثيرًا ما تكون أم الاختراع، والضغط يخلق هذه الضرورة. ومن خلالها، نجد أنفسنا مدفوعين للبحث عن حلول جديدة وأفكار مبتكرة. ويمكن تعزيز الإبداع من خلال تنمية الشغف الشخصي بالعمل، والسعي إلى بيئات توفر الأمان النفسي، حيث يمكن تبادل الأفكار الجريئة دون خوف من اللوم أو العقاب.
ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن هذا البحث ركز على التأثيرات قصيرة المدى للضغط في بيئة العمل. فالضغوط المستمرة على المدى الطويل قد تستنزف القدرة على التعافي، وتضعف الموارد النفسية، مما يؤدي إلى آثار سلبية متراكمة. لذا، تصبح إدارة الضغط بشكل واعٍ ومتوازن أمرًا ضروريًا للحفاظ على الإبداع، والاستمرارية في الأداء، والصحة النفسية على المدى البعيد.











