تصيب بعض الفيروسات ملايين البشر دون أن تخلف سوى عدد قليل من الضحايا، بينما تنجح فيروسات أخرى -رغم محدودية انتشارها- في إنهاء حياة أغلب من تخترق أجسادهم.
وتتجلى هذه المفارقة العميقة بوضوح من خلال التصنيف العالمي لأخطر عشرة فيروسات، الذي يستند إلى «معدل وفيات الحالات» كمعيار دقيق لقياس الخطر الفعلي، حيث يتجاوز هذا المعدل أرقام الانتشار الكلية ليعكس النسبة المئوية الدقيقة للوفيات بين المصابين.
وما يعمق خيوط هذه المفارقة هو بروز دور الحيوانات كخزان أساسي لتلك التهديدات، مما يوضح كيف يتحول مسار العدوى من الحياة البرية إلى الأجساد البشرية، ليصبح خطرًا داهمًا يهدد الأرواح بنسب إماتة تقارب أحيانًا العلامة الكاملة.
داء الكلب والموت الحتمي
يتصدر «داء الكلب» هذه القائمة القاتلة، مقدمًا أوضح مثال على شراسة الأمراض الفيروسية، إذ يقترب معدل الوفيات الناجمة عنه من 100% بمجرد ظهور الأعراض على المصاب.
ورغم كونه مرضًا يمكن الوقاية منه باللقاحات الطبية المتاحة، فإنه يقتل نحو 59 ألف شخص سنويًا، ليصبح الأعلى حصدًا للأرواح بشكل دوري مستمر ضمن هذا التصنيف.
وتتركز هذه الخسائر البشرية الفادحة -التي تعود أساسًا إلى محدودية وصول المصابين للعلاج بعد التعرض للإصابة- في دول إفريقيا وجنوب شرق آسيا. هناك، ينتقل الفيروس المُميت بالأساس عبر لعاب الحيوانات المصابة، وخاصة الكلاب، مما يسلط الضوء على المسار المباشر والخطير لانتقال العدوى من الحيوان إلى الإنسان.
نزيف الأعضاء وخزانات الطبيعة
تتلاقى خطوط الفتك العالي والمنشأ الحيواني بوضوح أكبر في مجموعة "الحمى النزفية الفيروسية"، التي تؤدي غالبًا إلى نزيف داخلي حاد وفشل تام في وظائف الأعضاء الحيوية للمريض.
وتضم هذه المجموعة القاتلة:
فيروسا إيبولا وماربورج
يبلغ معدل الوفيات فيهما نحو 50% من إجمالي المصابين، وتتركز بؤر تفشيهما جغرافيًا في وسط إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء.
وقد ظهر الأثر التدميري الواسع لإيبولا جليًا عندما حصد أرواح أكثر من 11 ألف شخص في دول غرب إفريقيا بين عامي 2014 و2016، ليتجاوز إجمالي ضحاياه تاريخيًا 15 ألف حالة، مما جلب انتباهًا عالميًا واسعًا لضرورة الاستعداد للأوبئة.
في المقابل، سجل فيروس ماربورج أكثر من 470 حالة وفاة إجمالية، وترتبط خفافيش الفاكهة بانتقاله للبشر، مؤكدةً دور الحياة البرية في نشر هذه الأوبئة.
حمى القرم والكونغو النزفية
تتخذ هذه الحمى مسارًا جغرافيًا أوسع يمتد عبر مناطق أوراسيا وإفريقيا، وتنتقل في المقام الأول عبر حشرة القراد والماشية، وتتسبب في وفاة ما بين ألف إلى ألفي شخص كل عام، بمعدل وفيات يتراوح بين 10% و40%، لتستمر متوالية العدوى الحيوانية المميتة في حصد الأرواح.
تعدد الفصائل وتصاعد المخاطر
تتنوع مصادر الخطر بتعدد الفصائل الحيوانية الحاملة للفيروسات القاتلة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
- فيروس نيباه: ترتبط خفافيش الفاكهة بنقله أيضًا، ويسجل معدل وفيات يتراوح بين 40% و75%، مسجلًا 600 حالة وفاة إجمالية حتى الآن.
- فيروس لوجو: تلعب القوارض دورًا مشابهًا في نقله، ويتميز بمعدل إماتة شديد الارتفاع يبلغ 80%، رغم تسجيل أربع وفيات إجمالية فقط بسببه.
- فيروس كورونا (MERS): تعتبر الجمال الخزان الأساسي لهذا الفيروس المسبب لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، الذي ظهر لأول مرة في المملكة العربية السعودية عام 2012، وبلغ معدل الوفيات فيه 36% مع 959 حالة وفاة مسجلة.
- إنفلونزا الطيور (H5N1): ينتقل من الطيور المصابة إلى البشر مقدمًا نموذجًا صارخًا للعدوى العابرة للأنواع. يبلغ معدل الوفيات فيه نحو 50% بين الحالات البشرية المؤكدة، وهو رقم يتجاوز بكثير الإنفلونزا الموسمية المعتادة. ورغم ندرة الإصابات البشرية (477 حالة وفاة إجمالية)، تُبقي السلطات الصحية العالمية نفسها في حالة تأهب دائم بسببه.
حلقات مفقودة في سلسلة العدوى
من جهة أخرى، يبرز التقرير فيروسات أخرى تسجل معدلات وفيات مرتفعة جدًا تتناقض بشدة مع أعداد ضحاياها القليلة للغاية، إذ يسجل فيروس هربس بي معدل وفيات يبلغ 80% (21 ضحية فقط)، بينما يسجل فيروس هيندرا معدل وفيات 57% (4 ضحايا فقط، متساويًا مع فيروس لوجو).
وتثبت هذه الأرقام المتفاوتة بشكل قاطع أن خطورة الفيروسات لا تُقاس فقط بمدى انتشارها الجغرافي الواسع أو أعداد إصاباتها الإجمالية الكبيرة. فالانتقال الحيواني يشكل نقطة ارتكاز أساسية في ظهور سلالات فيروسية قادرة على إحداث دمار بيولوجي هائل في أجساد المصابين، لتصبح «معدلات الوفيات المرتفعة» هي المقياس الأدق لفهم شراسة الأوبئة وتقييم قدرتها الحقيقية على إنهاء الحياة.














