بالرغم من أن العالم الهندي سيرينفاسا رامانوجان، استطاع تطوير مفاهيم رياضية غيّرت مجرى علم الرياضيات بفضل إسهاماته العميقة في نظرية الأعداد، وتحليل المتسلسلات اللانهائية، والدوال القسمة، فإن سيرته الذاتية كانت بعيدة البعد كله عن السهولة.
فقد بدأ حياته في ظروف قاسية، في وقت كانت فيه الهند تحت الاستعمار البريطاني، دون أن يكون له أي تعليم أكاديمي تقليدي، لكنه استطاع أن يبتكر ويُساهم بمفاهيم رياضية جعلت منه أحد أعظم عقول القرن العشرين.
كيف تبلورت عبقريته؟
عاش رامانوجان (1887 – 1920) حياة غير تقليدية، حيث نشأ في أسرة فقيرة من الطائفة البراهمية في مدينة إيرود جنوب الهند.
وفي سن مبكرة، كانت الرياضيات الشغف الأول له، ولأعوام طويلة درس المسائل الرياضية بشكل منفصل عن أي مجالات أكاديمية أخرى. وحصل في سن السادسة عشرة على كتاب «مختصر النتائج الأساسية في الرياضيات» للرياضي جورج شوبرج كاري، وهو كتاب يتضمن مجموعة كبيرة من المبرهنات مع إثباتات قصيرة، فتحول ذلك الكتاب إلى مصدر إلهام له.
بدأ رامانوجان، الذي أنتجت هوليود فيلما عن حياته بعنوان «The man who knew infinity» في التحقق من صحة هذه النتائج، ثم أضاف إليها أفكارًا جديدة، فطور مجموعة من النظريات الرياضية التي كانت الأساس لمجموعة من الاكتشافات الرائدة.
بداية الاعتراف وتحديات الحياة المهنية
في عام 1903، حصل رامانوجان على منحة دراسية في جامعة مدراس، لكن سرعان ما فقدها بسبب إهماله لمواد الدراسة غير الرياضية. ومع مرور الوقت، تدهورت أوضاعه المعيشية، فانتقل إلى العمل في وظيفة مكتبية بميناء مدراس، لكنه لم يتوقف عن البحث وتطوير نظرته الرياضية. وبحلول عام 1910، صارت تشير الصحف المحلية إلى اكتشافاته غير التقليدية، وكان قد بدأ نشر أعماله في المجلات الهندية للرياضيات.
في عام 1913، كتب رامانوجان رسالة إلى الرياضي البريطاني الشهير جودفري هاردي، التي كانت بداية لإحدى أعظم الشراكات في تاريخ الرياضيات.
لم يكن هاردي يتوقع أن يكون لهذا الشاب الهندي الذي لا يتبع الطرق الأكاديمية التقليدية أي مساهمة حقيقية، لكنه فاجأه باكتشافات ونظريات غاية في العمق والدقة.
ومن هنا بدأت رحلة تعاون طويل استمر في كامبريدج، حيث نشر رامانوجان عدة أوراق علمية وساهم في تطوير مجالات مثل النظم الدورية والنظريات الأولية.
إسهاماته العميقة وتطوير الرياضيات
كان لرامانوجان العديد من الاكتشافات الرائدة في الرياضيات، منها على سبيل المثال اكتشافه لصيغة لعدد π التي أصبحت أساسًا للعديد من الخوارزميات الحديثة في علم الحوسبة. كما عمل على تطوير فكرة الدوال التي تسمى «دوال رامانوجان»، التي كانت حجر الزاوية في حل بعض الألغاز الرياضية الكبرى. كذلك طوّر مع هاردي طريقة «الدائرة» التي ساعدت على حل العديد من الأسئلة المعقدة حول تقسيم الأعداد.
كان رقم 1729، الذي يعرف الآن بـ «رقم رامانوجان»، مثالًا واضحًا على عبقريته الرياضية. فقد كان يعتقد أن هذا الرقم يمثل «أبسط» رقم يمكن التعبير عنه بطريقة غير عادية، كونه أصغر عدد يمكن أن يُكتب كمجموع مكعبين بطريقتين مختلفتين.
مراحل الألم والمرض
بعد سنوات من العيش في إنجلترا وسط ظروف صحية صعبة، أصيب رامانوجان بالسل في 1917، وعاد إلى الهند في 1919 بحثًا عن الراحة.
ورغم حالته الصحية المتدهورة، واصل عمله في إنتاج أفكار رياضية جديدة حتى وفاته في عام 1920، عن عمر 32 عامًا. وترك خلفه ثلاثة دفاتر تحتوي على العديد من النظريات الرياضية، التي قام العلماء بالتحقق والاستفادة منها طوال العقود التالية.
إرثه وتأثيره المستمر
على الرغم من مرور أكثر من مئة عام على وفاته، فإن إسهامات رامانوجان في الرياضيات لا تزال حية تثير الإعجاب. فقد ترك وراءه العديد من الاكتشافات التي يُستفاد منها حتى في الأبحاث الحديثة المتعلقة بالثقوب السوداء وعلم الكونيات.
وفي 2012، أكدت أبحاث جديدة على صحة بعض أفكاره حول الدوال «المزيفة» التي صاغها، وهي التي تُعد جزءًا من الأسس المستخدمة حاليًا في دراسة الظواهر الفيزيائية.
لذلك سيبقى سيرينفاسا رامانوجان واحدًا من أعظم العقول في تاريخ الرياضيات، التي ألهمت إسهاماته العلمية، التي كانت تعتمد على حدس رياضي متأصل في ذهنه، جيلاً جديدًا من العلماء والمفكرين.
ورغم الفقر والتعليم المحدود الذي مر به، فإن رامانوجان أثبت أن العقول العظيمة قد تنبع من أي مكان في العالم، وأن الأساليب غير التقليدية يمكن أن تثمر عن نتائج غير تقليدية.