تتجه المجتمعات العربية نحو مستقبل ديموغرافي تحدده التحولات السكانية العالمية، من نمو السكان إلى تغير التركيبة العمرية وزيادة أعداد كبار السن. ومع اقتراب العالم من مرحلة جديدة في تاريخه السكاني، تبرز تساؤلات حول شكل المجتمعات العربية في منتصف القرن، وكيف قد تتبدل احتياجاتها الاجتماعية والاقتصادية مع تغير أعداد السكان وتوزيعهم بين الفئات العمرية.

ومع اقتراب منتصف القرن الحادي والعشرين، يشهد العالم تحولات ديموغرافية كبرى. فبحسب مراجعة الأمم المتحدة لعام 2024، بلغ عدد سكان العالم 8.2 مليار نسمة، ويُتوقع أن يواصل الارتفاع خلال العقود الخمسة أو الستة المقبلة حتى يبلغ ذروته بنحو 10.3 مليار نسمة في ثمانينيات هذا القرن. والمنطقة العربية جزء من هذا المشهد، لكنها لا تسير بإيقاع واحد، ولا تنطبق عليها الاتجاهات العالمية بالدرجة نفسها في كل دولة.

كيف ستبدو المجتمعات العربية بحلول عام 2050؟

تقدّر لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، استنادًا إلى توقعات الأمم المتحدة لعام 2024، أن عدد سكان المنطقة العربية بلغ نحو 480 مليون نسمة في 2024، أي ما يقارب 5.9% من سكان العالم، وأنه تضاعف منذ مطلع التسعينيات. وتتوقع أن يتضاعف مجددًا خلال نحو 35 عامًا ليبلغ قرابة 800 مليون نسمة بحلول 2060، بمعدل نمو سنوي يقارب 1.9% حاليًا.

نمو سكاني وتركيبة عمرية تتغير

ولا تقتصر الصورة على عدد السكان، فالمنطقة العربية لا تزال فتية قياسًا بالمتوسط العالمي؛ إذ شكّل الأطفال 32.5% من سكانها في 2024، وبلغت نسبة من هم في سن العمل (15 إلى 64 عامًا) 62.9%، في حين بلغت نسبة من هم في سن 65 عامًا فأكثر 4.6% مقابل 3.3% عام 1980، ويُتوقع أن تصل إلى 5.4% عام 2030.

تحديات سوق العمل والرعاية الاجتماعية

وتختلف الضغوط على سوق العمل والخدمات باختلاف التركيبة العمرية لكل مجتمع؛ إذ يبلغ معدل الإعالة في المنطقة العربية نحو 59 معالًا لكل 100 شخص في سن العمل، مقابل 54 عالميًا، ويعود ارتفاعه أساسًا إلى كثرة الأطفال. وقد تراجع معدل الخصوبة من نحو سبعة أطفال للمرأة في الستينيات إلى 3.1 اليوم. وتشير الأمم المتحدة إلى أن نحو مئة دولة ستشهد نموًا في أعداد من هم في سن العمل حتى عام 2054، وهي فرصة تُعرف بالعائد الديموغرافي، لكنها تتطلب استثمارًا في التعليم والصحة وفرص العمل.

2050.. ما بعد الأرقام

وبالنسبة إلى المجتمعات العربية، لا تقدّم هذه التوقعات صورة موحدة لكل دولة، لكنها ترسم اتجاهات تستحق المتابعة، أبرزها استمرار النمو السكاني وتغير التركيبة العمرية وتفاوت احتياجات الأجيال. وبذلك فإن شكل المجتمعات عام 2050 لن يتحدد بعدد السكان وحده، بل بقدرة الدول على قراءة هذه التحولات الديموغرافية والاستعداد لانعكاساتها على الخدمات والموارد وسوق العمل.