قبل نصف قرن، كانت المرأة العربية تنجب في المتوسط نحو 7 أطفال، وكان متوسط العمر المتوقع لا يتجاوز 51 عامًا. اليوم، انخفض الإنجاب إلى نحو 3 أطفال، وارتفع العمر المتوقع إلى أكثر من 72 عامًا. وبينما تعكس هذه الأرقام تحولات صحية واجتماعية واسعة، فإنها تكشف أيضًا عن تغير أبطأ في الظهور من سيعول الأجيال الأكبر سنًا عندما يتراجع عدد المواليد وتزداد سنوات الحياة؟

في عام 2024، بلغت نسبة السكان الذين تتجاوز أعمارهم 65 عامًا في العالم العربي 4.6% من إجمالي السكان، مقابل 10.2% عالميًا. وتشير التقديرات السكانية إلى أن النسبة العربية قد تقترب من 9.1% بحلول عام 2050، ما يضع أنظمة المعاشات والرعاية الصحية وسوق العمل أمام تحديات تحتاج إلى استعداد مبكر، لا إلى التعامل مع الشيخوخة باعتبارها أزمة حتمية.

يقصد بالشيخوخة السكانية ارتفاع نسبة كبار السن داخل المجتمع، ويستخدم عادةً السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر مؤشرًا لقياسها. ولا يحدث هذا التحول بسبب واحد؛ فتراجع الإنجاب يقلل حجم الأجيال الأصغر، بينما يسمح تحسن الصحة وانخفاض الوفيات لأعداد أكبر بالوصول إلى أعمار متقدمة. وتوضح بيانات "البنك الدولي عن نسبة السكان البالغين 65 عامًا فأكثر"، أن حصة هذه الفئة في العالم العربي ارتفعت من نحو 3.3% عام 1990 إلى 3.6% عامي 2000 و2010، ثم إلى 4.6% في 2024.

ويستخدم كذلك معدل الإعالة لكبار السن، الذي يقيس عدد الأشخاص البالغين 65 عامًا فأكثر مقابل كل 100 شخص في سن العمل، بين 15 و64 عامًا. وبلغ المعدل العربي نحو 7.3 في 2024، مقابل 6.2 عام 2000، وفق البيانات الواردة في "مؤشرات البنك الدولي للتركيبة العمرية"، ولا يعني هذا المعدل أن كل شخص في سن العمل يعمل بالفعل أو يعول شخصًا مسنًّا؛ فهو مؤشر ديموغرافي، لا قياس مباشر للدخل أو القدرة على الإنفاق.

ما الذي تغير في الخصوبة العربية؟

تراجع متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة خلال حياتها الإنجابية في العالم العربي من نحو 6.9 طفل عام 1970 إلى قرابة 5.2 عام 1990، ثم 3.9 عام 2000، وصولًا إلى نحو 3.1 في 2023. ووفق أحدث بيانات "البنك الدولي لمعدل الخصوبة" بلغ المعدل العربي 3.1 طفل في 2024، لكن المتوسط الإقليمي يخفي تفاوتًا بين الدول، ففي تونس، انخفض معدل الخصوبة من نحو طفلين لكل امرأة عام 2000 إلى 1.8 في 2023، وهو أقل من مستوى الإحلال السكاني الذي يقدر بنحو 2.1 طفل لكل امرأة في المجتمعات منخفضة الوفيات. وفي المغرب بلغ المعدل نحو 2.2، بينما وصل في السعودية إلى 2.3 طفل لكل امرأة في 2024، وفق بيانات البنك الدولي.

ولا يمكن رد هذا التراجع إلى عامل واحد؛ إذ تتداخل معه عوامل تشمل ارتفاع مستويات التعليم، وتأخر الزواج، وتكاليف تربية الأطفال، وتغير مشاركة النساء في التعليم والعمل. وتختلف أوزان هذه العوامل من مجتمع إلى آخر، لذلك لا يكفي مؤشر الخصوبة وحده لتفسير التحول السكاني. وتظهر الفروق بين الدول أيضًا في نسبة كبار السن. ففي 2024، بلغت النسبة 10.1% في لبنان، و9.5% في تونس، و8.1% في المغرب، و6.6% في الجزائر، و5.1% في مصر. في المقابل، سجلت 1.8% في الإمارات و1.7% في قطر. وتستند هذه المقارنة إلى بيانات "البنك الدولي عن السكان البالغين 65 عامًا فأكثر" .

وفيات الرضّع

ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الميلاد في العالم العربي من نحو 50.7 عامًا عام 1970 إلى 66.9 عامًا عام 2000، ثم إلى 72.4 عامًا في 2023. ويعكس ذلك تحسن فرص البقاء على قيد الحياة عبر مراحل العمر، لكنه لا يعني بالضرورة أن جميع السكان يعيشون المدة نفسها أو يتمتعون بالصحة ذاتها. وتزامن هذا الارتفاع مع تراجع وفيات الأطفال دون سن عام. فقد انخفض معدل وفيات الرضّع في المنطقة من نحو 63 وفاة لكل ألف مولود حي عام 1990 إلى 47 عام 2000، ثم إلى 27 في 2023، وفق مؤشرات "البنك الدولي لوفيات الرضّع" . ويساعد توسيع التطعيمات والرعاية الصحية للأمهات والأطفال وتحسن الخدمات الصحية على تفسير هذا التراجع، إلى جانب عوامل اجتماعية واقتصادية أخرى.

وتكشف بيانات "متوسط العمر المتوقع" عن اختلافات بين الدول؛ إذ بلغ نحو 78.7 عامًا في السعودية، و76.5 في تونس، و75.3 في المغرب عام 2023. وعندما يعيش الناس أعمارًا أطول، تتسع فرصهم في مواصلة الحياة والعمل والمشاركة الاجتماعية، لكن احتياجات الرعاية الصحية قد تتغير أيضًا مع التقدم في السن.

كيف تغيرت الخصوبة عالميًا خلال العقود الماضية؟

لم يقتصر تراجع الإنجاب على المنطقة العربية. فقد انخفض معدل الخصوبة العالمي من 3.31 طفل لكل امرأة عام 1990 إلى 2.25 في 2024، وفق "تقديرات الأمم المتحدة السكانية لعام 2024" . وفي العام نفسه، بلغ متوسط العمر المتوقع عالميًا نحو 73.3 عامًا.

وتتوقع الأمم المتحدة استمرار التحول في التركيبة العمرية عالميًا؛ فبحلول أواخر سبعينيات هذا القرن، يُرجح أن يتجاوز عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر عدد الأطفال دون 18 عامًا. كما يُتوقع أن يصل عدد من تبلغ أعمارهم 80 عامًا فأكثر إلى نحو 265 مليونًا بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، متجاوزًا عدد الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم عامًا واحدًا. وترد هذه التوقعات في "ملخص تقرير آفاق السكان في العالم 2024".

أثر الهجرة الدولية

تؤثر الهجرة في شكل الهرم السكاني، لأنها قد تزيد عدد الأشخاص في أعمار العمل داخل دولة الاستقبال، أو تقلل وجود هذه الفئات في دول المنشأ عندما يغادرها الشباب. لذلك لا تكفي مقارنة نسب كبار السن بين الدول من دون النظر إلى حركة السكان عبر الحدود. ويظهر هذا الأثر بوضوح في بعض دول الخليج التي تعتمد على أعداد كبيرة من العمالة الوافدة، وغالبًا ما تتركز هذه العمالة في الأعمار القادرة على العمل.

ووفق تقرير الأمم المتحدة عن "مخزون المهاجرين الدوليين لعام 2024"، بلغت نسبة المهاجرين من إجمالي سكان الإمارات 74%، و76.7% في قطر. وتساعد هذه التركيبة في تفسير انخفاض نسبة كبار السن في البلدين مقارنة بدول أخرى، لكنها لا تفسرها وحدها، وعن دول المنشأ، فقد يؤثر خروج الشباب في توزيع السكان حسب العمر، وفي حجم القوة العاملة المتاحة. ويظل الأثر الفعلي مرتبطًا بأعداد المهاجرين وأعمارهم ومدة إقامتهم، إلى جانب معدلات الإنجاب والوفيات في كل دولة.

بحسب التوقعات السكانية الواردة في قواعد البيانات المستخدمة في هذا التقرير، قد ترتفع نسبة من تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر في العالم العربي من 4.6% عام 2024 إلى نحو 9.1% بحلول 2050، بينما يُتوقع أن تصل النسبة عالميًا إلى 16.3%. وهذه أرقام مستقبلية تقديرية وليست نتائج تحققت بالفعل، وتعتمد على افتراضات بشأن الخصوبة والوفيات والهجرة.

ومع ارتفاع نسبة كبار السن، قد يزداد الضغط على أنظمة المعاشات إذا تراجع عدد المساهمين مقارنة بالمستفيدين، وتتوسع الحاجة إلى خدمات علاج الأمراض المزمنة والرعاية طويلة الأجل. وفي الوقت نفسه، يمكن لتراجع أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل أن يجعل رفع الإنتاجية وتوسيع فرص العمل وتحسين مشاركة الفئات القادرة على العمل أكثر أهمية.

لكن هذه المؤشرات لا تثبت أن الشيخوخة ستؤدي حتمًا إلى أزمة مالية أو اقتصادية؛ فالنتائج تتوقف على السياسات المتبعة، وتصميم أنظمة الحماية الاجتماعية، وجودة الخدمات الصحية، وفرص العمل والإنتاجية. كما أن فترة ارتفاع نسبة السكان في سن العمل يمكن أن تتيح فرصة لتعزيز التعليم والتشغيل والادخار والاستثمار في الصحة قبل اتساع احتياجات الرعاية.