يقيس الديموغرافيون شيخوخة أي مجتمع بمؤشر بسيط: نسبة من تجاوزوا الخامسة والستين من العمر إلى إجمالي السكان. كلما ارتفعت هذه النسبة زادت حصة كبار السن في المجتمع، وتغيّرت معها احتياجات الصحة والعمل والمعاشات والخدمات. وعلى هذا المقياس لا يزال العالم العربي شابًا بالمعايير العالمية، لكن الأرقام الأخيرة تكشف أن العدّاد بدأ يتحرك بوضوح خلال السنوات الماضية.
في عام 2024 بلغت نسبة من تجاوزوا الخامسة والستين في العالم العربي 4.6% من السكان، وفق بيانات البنك الدولي المحدثة في أكتوبر 2026. الرقم يبقى منخفضًا إذا قورن بالمتوسط العالمي الذي بلغ 10.2% في العام نفسه، أي أن العالم بأسره يشيخ بوتيرة أسرع بكثير من المنطقة العربية حتى الآن. لكن اتجاه المنحنى العربي صاعد بثبات منذ مطلع الألفية بعد عقود من الثبات النسبي.
قراءة السلسلة التاريخية تشرح لماذا يُنظر إلى اللحظة الحالية بوصفها منعطفًا: فالنسبة العربية ظلت مستقرة تقريبًا عند 3.3% عام 1990، ثم 3.6% عام 2000، و3.6% عام 2010، قبل أن تقفز إلى 4.6% في 2024. بعبارة أخرى، تحركت النسبة في السنوات الأربع عشرة الأخيرة أكثر مما تحركت في العقدين السابقين معًا.
وتتفاوت الخريطة داخل المنطقة تفاوتًا واسعًا. ففي 2024 سجّل لبنان أعلى نسبة عند 10.1%، تليه تونس عند 9.5%، ثم المغرب 8.1% والجزائر 6.6% ومصر 5.1% وليبيا 5.0% وجيبوتي 4.9% وسوريا 4.7% والأردن 4.5% وجزر القمر 4.5%، بينما جاءت البحرين عند 3.9% وفلسطين 3.8% والعراق 3.4% والسودان 3.3% وموريتانيا 3.2% والكويت 3.1% والسعودية 3.0% وعُمان 2.6% والصومال 2.6% واليمن 2.5% والإمارات 1.8% وقطر 1.7%.
يفسر جزء من هذا التفاوت اختلاف التركيبة السكانية. فدول الخليج تستقطب أعدادًا كبيرة من العمالة الوافدة التي تتركز في سن العمل، وتتصدر الإمارات وقطر والكويت قوائم الأمم المتحدة لأعلى نسب المهاجرين إلى السكان في العالم، وهو ما يخفض نسبة كبار السن ظاهريًا حتى مع تحسن أعمار المواطنين. أما دول المغرب العربي ولبنان فتركيبتها أقرب إلى المجتمعات التي أكملت تحولها الديموغرافي، فتظهر الشيخوخة في أرقامها أبكر وأوضح.
إلى أين تتجه الخريطة؟
بحسب إسقاطات البنك الدولي (قاعدة التقديرات والإسقاطات السكانية، آخر تحديث يوليو 2026)، وهي توقعات مستقبلية وليست أرقامًا محققة، تصل نسبة كبار السن في تونس إلى 20.5% بحلول 2050، وفي المغرب 16.4 % ولبنان 16.3% والجزائر 16.2% وليبيا 15.9%، ثم الأردن 12.1% ومصر 9.7% والبحرين 8.5% والسعودية 8.2% والعراق 7.4% والكويت 6.6% وعُمان 6.5%، وجيبوتي عند 9.9 وسوريا عند 9.3 وفلسطين عند 8.0 وجزر القمر عند 6.5 والسودان عند 5.3 واليمن عند 5.2 وموريتانيا عند 4.7 والصومال عند 3.5 في المائة، بينما تبقى قطر عند 3.0% والإمارات عند 2.1%.
وعلى مستوى المنطقة ككل، يتوقع البنك الدولي أن تتضاعف النسبة العربية من 4.6 في المائة في 2024 إلى نحو 9.1 في المائة في 2050، مقابل 16.3 في المائة للعالم في الإسقاط نفسه. أي أن العالم العربي سيبقى أصغر من المتوسط العالمي سنًا في منتصف القرن، لكنه سيصبح بحلولها مجتمعًا يضم ضعف حصة كبار السن الحالية تقريبًا.
وللمقارنة التاريخية: في عام 2000 كانت تونس 5.5% ولبنان 5.1%البلدين العربيين الوحيدين اللذين تجاوزا حاجز الخمسة في المائة، بينما سجّلت الجزائر 4.4 والمغرب 4.3 وجزر القمر 4.2 ومصر 4.0 وليبيا 3.7 وسوريا 3.3 وجيبوتي 3.2 والعراق 3.1 وموريتانيا 3.1 والسودان 2.9 واليمن 2.8 والأردن 2.7 والصومال 2.6 وعُمان 2.5 وفلسطين 2.3 والسعودية 2.2 والبحرين 2.2 والكويت 1.5 والإمارات 1.3 وقطر 1.2%. خلال أقل من ربع قرن ارتفعت هذه الأرقام جميعها تقريبًا، وبعضها تضاعف، ما يوضح أن التحول ليس ظاهرة بلد واحد بل موجة إقليمية واسعة.
ومنهجيًا، يبني البنك الدولي هذه المؤشرات على التقديرات السكانية للأمم المتحدة وعلى التعدادات الوطنية والمسوح السكانية، وتُراجَع السلاسل مع كل مراجعة أممية جديدة. لذلك تُقرأ أرقام 2024 بوصفها أحدث تقدير رسمي متاح، وتُقرأ أرقام 2050 بوصفها سيناريو متوسطًا يقبل المراجعة صعودًا أو هبوطًا مع تغير الاتجاهات الفعلية.
تجدر الإشارة إلى أن الإسقاطات تعتمد فرضيات الخصوبة والوفيات والهجرة، وأنها تُراجَع دوريًا مع كل تحديث للقواعد الأممية. وتغطي خريطة هذا التقرير الدول العربية كافة، مع ملاحظة أن أرقام الدول التي تشهد نزاعات - سوريا واليمن والسودان وفلسطين والصومال - تقديرات أممية قائمة على مسوح وتعدادات أقدم، فتُقرأ بهامش عدم يقين أوسع من بقية الدول. والأرقام الحالية حقائق إحصائية لعام 2024، أما أرقام 2050 فسيناريوهات تخطيط، والخلط بينهما خطأ شائع في تناول هذا الملف.




