يمثل التحول الديموغرافي السريع اختبارًا هيكليًا لمنظومات التنمية؛ فحين تتسارع وتيرة شيخوخة السكان قبل اكتمال البنية المؤسسية والمالية اللازمة، يقع الاقتصاد تحت وطأة سيناريو معقد يطال الرعاية والحماية الاجتماعية وسوق العمل.

يستعرض هذا التحليل ما قد يؤول إليه الضغط على أسواق العمل وصناديق المعاشات حيث يضع التسارع الديموغرافي الراهن خطط التنمية على المحك؛ فالأزمة تبدأ تحديدًا عندما تتقدّم شيخوخة المجتمعات خطوة على بناء شبكات الأمان المالي والصحي.

ومن هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن هذا الاستشراف التحليلي لا يُمثّل تنبؤًا حتميًا بالمستقبل، كما أن استعراض السياسات والممارسات مستمد من السياق والخبرات الآسيوية دوليًا.

1. من أين يبدأ الضغط: كيف يتغير ميزان الإعالة؟

يبدأ الضغط الديموغرافي مع تراجع معدلات الخصوبة وارتفاع نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر، وهو تحول ترصده مؤشرات البنك الدولي وتوقعات السكان الصادرة عن الأمم المتحدة. ويؤدي ارتفاع نسبة كبار السن مقارنة بالسكان في سن العمل (15–64 عامًا) إلى زيادة نسبة إعالة كبار السن، التي تقيس عدد كبار السن مقابل كل 100 شخص في سن العمل. ومع تقلص القاعدة السكانية في سن العمل نسبيًا، تتزايد التحديات المرتبطة بتمويل المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية، إذ يتعين على عدد أقل نسبيًا من السكان في سن العمل المساهمة في دعم احتياجات عدد أكبر من كبار السن، ما يفرض ضغوطًا متزايدة على المالية العامة وأنظمة الحماية الاجتماعية.

2. ما التحدي في المعاشات والحماية الاجتماعية؟

مع ارتفاع نسبة إعالة كبار السن، تواجه أنظمة التقاعد تحديًا متزايدًا في الحفاظ على التوازن بين الاشتراكات المحصّلة والمعاشات المستحقة. وتشُير التوقعات السكانية للأمم المتحدة إلى أن نسبة إعالة كبار السن قد تبلغ 32.7 في تونس و25.4 في المغرب بحلول عام 2050، أي ما يعادل نحو 33 و25 مسنًا على التوالي لكل 100 شخص في سن العمل. ويزيد هذا التحول الضغط على أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية، خصوصًا مع تزايد احتياجات كبار السن إلى الدخل والرعاية الصحية.

كما تبرز تحديات اتساع العمل غير المنظم، الذي قد يحرم العاملين فيه من الاشتراك في أنظمة المعاشات القائمة على المساهمات، ما يجعل توسيع التغطية الاجتماعية وتوفير مصادر دخل كافية في الشيخوخة من أبرز أولويات السياسات الاجتماعية حيث يشير تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادئ (الإسكاب) إلى أن انتشار العمل غير المنظم وضعف التغطية التأمينية من العوامل التي تعيق شمول الجميع بالحماية الاجتماعية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

3. ماذا يعني طول العمر للصحة والرعاية طويلة الأمد؟

لا يقتصر أثر ارتفاع متوسط العمر المتوقع على زيادة سنوات الحياة، بل يمتد إلى قدرة الأنظمة الصحية والاجتماعية على تلبية احتياجات السكان مع تقدمهم في السن. وتبرز أهمية التمييز بين طول العمر ومتوسط العمر المتوقع بصحة جيدة، إذ لا تعني زيادة العمر بالضرورة قضاء سنوات إضافية دون أمراض أو قيود صحية. ومع تزايد أعداد كبار السن، تزداد أهمية تطوير خدمات الرعاية طويلة الأمد، وتعزيز الرعاية الصحية والاجتماعية بما يتناسب مع احتياجاتهم، وضمان توافر الدعم اللازم للأشخاص الذين يحتاجون إلى المساعدة في حياتهم اليومية.

ويشير تقرير "UN ESCAP" بعنوان "Asia-Pacific report on population ageing" عن شيخوخة السكان في آسيا والمحيط الهادئ لعام 2022 إلى أن ارتفاع متوسط العمر المتوقع لا يصاحبه بالضرورة ارتفاع مماثل في سنوات الحياة بصحة جيدة، وأن تزايد أعداد كبار السن الذين يعانون من أمراض أو إعاقات يزيد الطلب على خدمات الرعاية الصحية والرعاية طويلة الأمد. ويجعل ذلك تطوير أنظمة رعاية مستدامة ومتكاملة ضرورة لمواكبة التحولات الديموغرافية.

4. ما دور العمل في سن متأخرة في أمان الدخل والصحة؟

يمثل استمرار كبار السن القادرين في العمل أحد المسارات التي تساعد على تعزيز أمن الدخل والاستفادة من خبراتهم، في ظل التحولات الديموغرافية وارتفاع متوسط العمر. ويمكن أن يتيح العمل في سن متأخرة مصدرًا إضافيًا للدخل، ويدعم المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، فيما تسهم تهيئة بيئات عمل مناسبة في تسهيل استمرارهم في سوق العمل.

ويبرز التقرير إلى أهمية الشيخوخة المنتجة ومشاركة كبار السن في العمل، إلى جانب تهيئة ظروف عمل مرنة تراعي اختلاف قدراتهم واحتياجاتهم. ويتطلب ذلك إتاحة فرص عمل ملائمة، وتوفير ترتيبات مرنة، وتعزيز فرص التدريب وتطوير المهارات، بما يدعم مشاركة كبار السن ويحافظ على كرامتهم واستقلالهم الاقتصادي، دون أن يصبح استمرارهم في العمل ضرورة مفروضة بسبب ضعف الدخل التقاعدي.

5. ما الذي تعدّه المراجع الدولية استعدادًا؟

يتطلب الاستعداد للتحولات الديموغرافية وضع سياسات طويلة الأمد تستند إلى التوقعات السكانية، وتراعي التغيرات في التركيبة العمرية واحتياجات كبار السن. مع ضرورة التأكيد على أهمية تطوير أطر الحماية الاجتماعية وتعزيز أمن الدخل في الشيخوخة، إلى جانب توسيع التغطية التقاعدية وتحسين خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية.

وتشمل الاستعدادات الاستراتيجية عددًا من المسارات الرئيسية:

تطوير أنظمة المعاشات

توسيع التغطية التقاعدية وتعزيز الحماية الاجتماعية للفئات التي لا تشملها الأنظمة القائمة.

تعزيز الرعاية طويلة الأمد

تطوير خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية بما يتناسب مع احتياجات كبار السن، وتخفيف الاعتماد الحصري على الرعاية الأسرية.

دعم الشيخوخة الصحية والنشطة

تعزيز فرص المشاركة الاجتماعية والاقتصادية، وتطوير الخدمات الصحية التي تستجيب لاحتياجات السكان مع تقدمهم في العمر.

ربط التخطيط بالتوقعات السكانية

الاستفادة من إسقاطات الأمم المتحدة السكانية في التخطيط طويل الأمد للسياسات والخدمات، بما يتيح الاستعداد للتغيرات المتوقعة في حجم السكان وتركيبهم العمري.

6. ما الذي تقوله تجارب الدول التي سبقت إلى الشيخوخة؟

تقدم تجارب دول شرق وجنوب شرق آسيا، التي تواجه تحديات الشيخوخة السكانية، نماذج متنوعة للاستجابة للتحولات الديموغرافية، من خلال تطوير أنظمة الحماية الاجتماعية وتعزيز أمن الدخل في مرحلة التقاعد، إلى جانب الاهتمام بالرعاية الصحية والاجتماعية لكبار السن. وتبرز أهمية تكييف سياسات التقاعد والعمل مع التغيرات في التركيبة العمرية، وتوسيع فرص مشاركة كبار السن القادرين في الحياة الاقتصادية، وتطوير خدمات الرعاية المجتمعية التي تساند الأسر في تلبية احتياجاتهم.