شهدت أسواق الكاكاو العالمية مؤخرًا تراجعًا ملحوظًا في الأسعار بعد موجة صعود قياسية وغير مسبوقة اجتاحت الأسواق خلال العامين الماضيين، ومع ذلك، لا يزال المستهلكون حول العالم يلاحظون أن أسعار منتجات الشوكولاتة في المتاجر لم تنخفض بعد، بل تظل باهظة الثمن وتشكل عبئًا على القدرة الشرائية، وفي ظل هذه المعطيات، تؤكد شركات الحلويات العالمية الكبرى أن مبيعات الشوكولاتة قد سجلت انخفاضًا ملحوظًا هذا العام بسبب استمرار ارتفاع التكاليف التراكمية التي تحول دون قدرة العملاء على تحمل الأعباء المالية الجديدة، وتسعى كبرى الشركات مثل ليندت، وباري كاليبو، ونستله إلى التعامل مع هذا الواقع الاقتصادي المعقد عبر استراتيجيات تسويقية وإنتاجية جديدة تهدف إلى استعادة العملاء وتنشيط الطلب من جديد.
أسباب أزمة الكاكاو
يعود التذبذب الهائل والارتفاع التاريخي في أسعار الكاكاو خلال الفترة الماضية إلى عدة عوامل رئيسية متداخلة، أبرزها ضعف محاصيل الكاكاو في غرب أفريقيا نتيجة ظروف جوية سيئة تفاقمت بسبب أنماط الطقس المرتبطة بظاهرة النينيو وتغير المناخ، وتُعرف ظاهرة النينيو بارتفاع درجات الحرارة فوق المعدل الطبيعي، وقد أدت في عام 2024 إلى طقس أكثر جفافًا وحرارةً وهطول أمطار غير منتظم في كل من ساحل العاج وغانا، اللتين تنتجان النسبة الأكبر من حبوب الكاكاو العالمية.
وترافق ذلك مع كون عام 2024 هو الأكثر حرارة على الإطلاق، إضافة إلى تأثير موجات الحر الأخيرة في أوروبا التي أضعفت إقبال المستهلكين على الشوكولاتة، وإلى جانب العوامل المناخية، أسهمت اضطرابات سلاسل التوريد والتعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إحداث ضغوط إضافية على الأسعار، فضلًا عن الصراع في الشرق الأوسط الذي أدى إلى تقليل تدفقات السياحة العالمية وضعف أداء قطاع تجزئة السفر لشركات مثل ليندت.
استمرار ارتفاع سعر الشوكولاتة
وعلى الرغم من أن العقود الآجلة للكاكاو قد تراجعت بشكل كبير ووصل سعر الطن المتري إلى مستويات منخفضة مقارنة بذروتها السابقة التي اقتربت من 12 ألف دولار للطن بنهاية عام 2024، فإن الشركات العملاقة لا تزال تعاني من تداعيات الأزمة السابقة، فقد أعلنت شركة ليندت السويسرية أن الزيادات السابقة في الأسعار بنسبة قاربت 12% أدت إلى انخفاض حجم مبيعات الشوكولاتة بنسبة تجاوزت 7% خلال النصف الأول من العام.
وفي السياق ذاته، أكدت شركة نستله للأغذية والمشروبات أن ارتفاع أسعار الكاكاو والقهوة أثر سلبًا على أرباحها التشغيلية الأساسية، مع انخفاض الأرباح بنسبة ملحوظة، ورغم توقعاتها باستفادة هوامش الربح لاحقًا من الانخفاض الحالي في أسعار المواد الخام، من جانبها، سجلت شركة باري كاليبوت تباينات في حجم مبيعاتها العالمية، مشيرة إلى أن الفائض المتوقع لعامي 2025 و2026 قد يمثل حاجزًا وقائيًا يحمي السوق من صدمات جديدة.
استراتيجيات شركات الشوكولاتة لاستعادة المستهلكين
تتطلع الشركات الكبرى إلى تحفيز الطلب واستعادة قاعدة عملائها الأساسية عبر الابتكار وتغيير أساليب التسويق التقليدية بدلًا من الاعتماد فقط على رفع الأسعار، وتبرز في هذا الصدد استراتيجية الاستفادة من رواج وسائل التواصل الاجتماعي والمؤثرين الرقميين للوصول إلى الفئات العمرية الأصغر سنًا، فقد حققت شركة ليندت نجاحًا استثنائيًا بإطلاق منتجها المستوحى من التريندات العالمية مثل شوكولاتة دبي ستايل، ما أدى إلى توسيع حضورها التجاري لدى كبرى متاجر التجزئة العالمية.
وبدوره، أكد المسؤولون في شركة نستله على أهمية توجيه الاستثمارات نحو التسويق الرقمي والتفاعل العضوي مع المستهلكين الشباب عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتسعى هذه الشركات أيضًا إلى التوسع في تقديم منتجات الشوكولاتة الفاخرة والمتميزة، مع تنفيذ تخفيضات سعرية انتقائية ومدروسة في بعض الأسواق الأوروبية الرئيسية لدعم القدرة الشرائية للمستهلكين خلال مواسم الذروة والمناسبات الخاصة، ما يمهد الطريق لعودة الاستقرار التدريجي إلى سوق الحلويات العالمية.














