كشفت الزلازل المدمرة التي ضربت كولومبيا وفنزويلا عن تباين حاد في قدرة المؤسسات الحكومية على إدارة الأزمات والتعامل مع حالات الطوارئ الكبرى، إذ تجلى هذا التباين بوضوح في طريقة التعامل مع حادثتي انهيار مبانٍ سكنية في البلدين.
ففي مبنى لوس كوكوس الواقع بشمال فنزويلا، وجد السكان أنفسهم يخوضون عمليات البحث والإنقاذ بمجهودات ذاتية وبأدوات بدائية وسط غياب شبه تام للدعم الرسمي، في حين شهد مبنى توريس ديل ليمونار بمدينة كالي الكولومبية استجابة سريعة وتدفقًا مكثفًا لفرق الطوارئ والجهات الرسمية، ما أسهم في إنقاذ العشرات وتنسيق العمل بفاعلية عالية.
وتعود أسباب هذا الاختلاف الميداني إلى طبيعة الجاهزية الهيكلية والبنية التحتية المتاحة في كل دولة، إذ ضرب زلزالان متزامنان فنزويلا بقوة 7.2 و7.5 درجة على مقياس ريختر، وأسفرا عن مقتل 6300 شخص، لا سيما في منطقة لا غوايرا الساحلية، وعلى الرغم من أن كولومبيا تعرضت لزلزال مماثل في شدته، فإن حصيلة الضحايا بلغت 285 قتيلًا مع تسجيل 380 مفقودًا.
ولا يقتصر هذا الفارق على قوة الهزة الأرضية فحسب، بل يرجع أيضًا إلى عمق الزلزال في كولومبيا مقارنة بفنزويلا، التي عانت من عدم استقرار التربة وضعف جودة البناء، فضلًا عن الأزمات الاقتصادية الممتدة التي أضعفت قدرات أجهزتها التنفيذية.
مجهودات بدائية في مواجهة أزمات فنزويلا
في مجمع لوس كوكوس السكني الفنزويلي، الذي يضم 1100 وحدة سكنية وتأسس في عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، اضطر الأهالي والمتطوعون لإزالة الأنقاض بأيديهم العارية وبأدوات منزلية بسيطة كالدلاء والعصي على مدار أسابيع، واعتمد السكان على المساعدات الأهلية من الولايات الأخرى للحصول على الطعام والمولدات الكهربائية، بينما استغرق وصول خبراء الطب الشرعي وتوفير أكياس الجثث عدة أيام، ما أدى إلى تحلل الرفات واستدعى حفر أنفاق عميقة في الأنقاض للوصول إلى الجثث المحاصرة.
وتفاقمت هذه الأوضاع الفوضوية بفعل نقص الوقود وتعطل الآليات الثقيلة، إلى جانب ضعف التواصل بين فرق البحث الرسمية والأهالي، ورغم هذه المشاهد الميدانية، نفت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز وجود أي تقصير، مؤكدة نشر 4000 مسؤول في اليوم الأول و14000 في اليوم التالي، ومُرجعة التقارير المنتقدة إلى ما وصفته بالتضليل الإعلامي، وتواجه فنزويلا تداعيات سنوات طويلة من التضخم المفرط، وهجرة الكفاءات، وتدهور قطاع النفط، وهي أمور تعزوها الحكومة إلى العقوبات الأمريكية، بينما يعزوها الناقدون إلى سوء الإدارة والفساد الداخلي.
التنظيم وحشد الإمكانيات في كولومبيا
على الجانب الآخر، أظهرت السلطات الكولومبية قدرة عالية على إدارة موقع الكارثة في مبنى توريس ديل ليمونار المكون من 5 طوابق، فعلى الرغم من أن المتطوعين المدنيين بدأوا عمليات الإنقاذ الأولى ونقلو نحو 20 شخصًا، فإن فرق الإطفاء والشرطة والبحرية سارعت بالتواجد والتنسيق الميداني خلال ساعات قليلة، وتوافدت أكثر من 12 جهة رسمية لتنظيم العمل، وتقسيم المهام لمنع الازدحام، وتوفير الشاحنات والرافعات الثقيلة لنقل الركام بشكل مستمر، مع استخدام مركبات متخصصة ونقالات معدنية ونقل الجثث بأسلوب احترافي.
ورغم النجاح الكبير الذي تحقق في مدينة كالي وتوثيق مئات حالات الإنقاذ خلال أول 72 ساعة، أعرب العاملون في المجال الإنساني عن قلقهم بشأن المناطق النائية والمعزولة مثل مقاطعة تشوكو الساحلية، فعلى الرغم من تسجيل عدد محدود من الوفيات بلغ 13 قتيلًا في هذه المقاطعة الأفقر في البلاد، فإن عقودًا من الإهمال الحكومي والنزاعات المسلحة تجعل من الصعب مواجهة التداعيات الإنسانية طويلة الأمد دون تقديم دعم إضافي مستمر.
المشهد السياسي وتبعات الكارثة طويلة الأمد
تزامنت هذه الكارثة الطبيعية مع تحولات سياسية فارقة في البلدين، ففي فنزويلا، جاء الزلزال عقب تقارب سياسي بين إدارة ترامب والنائبة السابقة للرئيس ديلسي رودريغيز بعد اعتقال واشنطن للرئيس نيكولاس مادورو في يناير، وتأمل السلطات المؤقتة في استغلال هذه الأزمة للضغط من أجل استعادة نحو 4 مليارات دولار من سبائك الذهب المحتجزة في بنك إنجلترا لاستخدامها في عمليات إعادة الإعمار، خاصة بعد رصد تجاوزات أمنية وشعبية شملت توقيف عناصر شرطية بتهمة النهب أثناء عمليات البحث.
أما في كولومبيا، فقد مثل الزلزال اختبارًا مبكرًا للرئيس اليميني الجديد أبيلاردو دي لا إسبريلا، الذي تولى مهامه قبل 3 أيام فقط من وقوع الهزة الأرضية، ويسعى دي لا إسبريلا، الذي تعهد بتطبيق سياسات تقشفية وتغليظ العقوبات الأمنية، إلى مراجعة ميزانية عام 2027 البالغة أكثر من 180 مليار دولار لتوفير المساعدات الطارئة للمتضررين، ما قد يساهم في تعزيز شعبيته في المناطق التي شهدت معارضة لبرنامجه الانتخابي.
ويتفق الخبراء والمنظمات الإنسانية مثل "ورلد فيجن" على أن تداعيات هذه الزلازل ستستمر لسنوات طويلة، وأن مرحلة التعافي الحقيقي وتأمين الاستقرار للأطفال والعائلات المتضررة لا تزال في بدايتها.













