يُعد جبل الرحمة شاهدًا على أعظم المشاهد الإيمانية المتكررة كل عام؛ ومع بزوغ فجر 9 ذي الحجة لعام 1447هـ، تحول صعيد عرفات إلى لوحة إيمانية بيضاء تهفو إليها القلوب من شتى بقاع الأرض.
وفي قلب هذا المشهد، تلاشت الفوارق بين الثقافات والجنسيات، وارتفعت أصوات التلبية والتكبير في وحدة إيمانية فريدة. ولم تكن هذه الرحلة مجرد وقوف شرعي، بل كانت تجربة روحانية متكاملة تجلت فيها صور الإخلاص والرجاء، وسط منظومة خدمات استثنائية جعلت من التضرع والخشوع تحت شمس مكة تجربة آمنة ومريحة لضيوف الرحمن.
وفي ظل التحديات المناخية، برز دور شركة "كدانة" للتنمية والتطوير (الذراع التنفيذي للهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة) كمحرك رئيسي لتحسين تجربة الحجاج. ففي موسم حج 1447هـ (2026م)، اكتملت المرحلة الثانية من أضخم مشروع لتظليل وتبريد طرق المشاة ومناطق الجلوس، حيث تمت تغطية مساحة إجمالية تتجاوز 272 ألف متر مربع.
ولم يكن هذا المشروع مجرد مظلات عادية، بل منظومة ذكية شملت تركيب 18 مظلة حديثة مزودة بـ 36 مروحة رذاذ، بالإضافة إلى وحدات متطورة لتلطيف الأجواء وأعمدة لرذاذ المياه، مما ساهم في خفض درجات الحرارة بشكل ملموس وحماية الحجيج من الإجهاد الحراري.
وما يثير الإعجاب في منظومة الحج لعام 2026 هو القفزة النوعية في الطاقة الاستيعابية للمناطق المبردة، والتي زادت بمقدار 5 أضعاف مقارنة بالعام الماضي. واستكملت المرحلة الثانية من المشروع ما بدأته المرحلة الأولى، ليصل إجمالي أعمدة الرذاذ إلى أرقام قياسية تتجاوز المئات، موزعة بدقة هندسية تضمن انسيابية الحركة ومنع التكدس.
ومكنت هذه الحلول النوعية الحجاج من الاستفادة من المساحات المحيطة بجبل الرحمة لقراءة القرآن والذكر في بيئة ملائمة تشجع على السكينة، مما يعكس الرؤية السعودية الطموحة في تحويل المشاعر المقدسة إلى بيئة تشغيلية ذكية ومستدامة.
وبينما كان الحجاج يرفعون أكف الضراعة بلغات متعددة وسط جبل الرحمة، كانت الفرق الميدانية والإرشادية والصحية تعمل كخلية نحل لا تهدأ لتأمين مسارات المشاة وتسهيل الوصول إلى قمة الجبل وسفوحه. كما رسم التكامل بين المشاريع الهندسية لشركة "كدانة" والخطط الأمنية لإدارة الحشود "ملحمة دعاء" غير مسبوقة؛ حيث تداخلت دموع الخشوع مع رذاذ المياه الملطف للأجواء.
ويُعد ذلك تأكيدا على ريادة المملكة العربية السعودية عالميًا في إدارة الحشود المليونية، وتمكين ضيوف الرحمن من أداء مناسكهم بأمن ويسر وطمأنينة، محولين "يوم الحج الأكبر" إلى ذكرى خالدة في وجدان كل من وطأت قدماه هذا الصعيد الطاهر.












