كشفت دراسة علمية جديدة، نُشرت في دورية Science، أن العالم يشهد تراجعًا كبيرًا في التنوع اللغوي مقارنة بما كان عليه قبل آلاف السنين، إذ انخفض عدد اللغات المستخدمة عالميًا من عشرات الآلاف إلى نحو 7500 لغة فقط في الوقت الحالي. واستندت الدراسة إلى نماذج رياضية وبيانات من علوم اللغويات والأنثروبولوجيا والديموغرافيا لإعادة تتبع تطور اللغات خلال نحو 12 ألف عام، منذ نهاية العصر الجليدي الأخير وحتى اليوم.
من ذروة التنوع اللغوي إلى التراجع العالمي
تشير التقديرات إلى أن البشرية مرت بفترة بلغت فيها اللغات ذروة انتشارها بين الألفية الأولى قبل الميلاد والألفية الأولى الميلادية، عندما كان البشر يتحدثون ما بين 30 ألفًا وأكثر من 75 ألف لغة في الوقت نفسه، وهو رقم يفوق بأضعاف عدد اللغات المستخدمة حاليًا.
وقبل نحو 12 ألف عام، كان سكان العالم يعيشون في مجموعات صغيرة متناثرة تعتمد على الصيد وجمع الثمار، ويُقدَّر أنهم كانوا يتحدثون ما بين 4500 و6200 لغة. ومع انتشار الزراعة وظهور المجتمعات المستقرة، ازداد عدد السكان وتكوّنت تجمعات بشرية صغيرة ومستقلة، ما وفر بيئة مناسبة لظهور أعداد كبيرة من اللغات الجديدة.
وخلال هذه المراحل، نشأت عائلات لغوية عديدة وتطورت عبر مناطق مختلفة من العالم، كما ظهرت أنظمة الكتابة لأول مرة في بلاد الرافدين، حيث دُوّنت اللغة السومرية بالخط المسماري خلال الألفية الرابعة قبل الميلاد، ثم ظهرت أنظمة كتابة مستقلة لاحقًا في مصر والصين وأمريكا الوسطى.
ولا توجد سجلات تاريخية مباشرة توثق عدد اللغات في تلك الفترات، لذلك جرى الاعتماد على نماذج محاكاة تستند إلى العلاقة بين المجتمعات البشرية وتطور اللغات، مع استخدام بيانات تعود إلى 171 مجتمعًا من الصيادين وجامعي الثمار في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا، وربطها بتقديرات عدد سكان العالم في ذلك الوقت.
لكن هذا التنوع بدأ يتراجع تدريجيًا مع توسع الإمبراطوريات القديمة، ثم تسارع خلال القرون الأخيرة بفعل الاستعمار الأوروبي، الذي فرض لغاته على مناطق واسعة من العالم، ما أدى إلى اختفاء عدد كبير من اللغات المحلية أو انتقال متحدثيها إلى لغات أخرى.
لماذا تختفي اللغات وما الذي يهددها اليوم؟
شهد التاريخ اندثار عدد كبير من اللغات، من بينها السومرية والحيثية والأكادية والإترورية، إلى جانب لغات استُخدمت في مصر والصين القديمتين وبعض لغات النقر في إفريقيا.
ويحدث اختفاء اللغات غالبًا عندما يختفي متحدثوها بسبب الحروب أو الأمراض أو التهجير، أو عندما يُجبرون على استخدام لغة أخرى لأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية. وفي المقابل، قد تتطور بعض اللغات القديمة إلى لغات جديدة مع مرور الزمن، كما حدث مع اللغة اللاتينية التي تحولت بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476 ميلادية إلى لغات مثل الفرنسية والإيطالية والإسبانية.
كما لعبت السياسات الاستعمارية دورًا كبيرًا في تقليص التنوع اللغوي، إذ فرضت قوى استعمارية لغاتها الرسمية على الشعوب الخاضعة لها. وشمل ذلك التضييق على استخدام اللغة الأيرلندية، وحظر اللغات الأصلية في أجزاء واسعة من الأمريكتين والبرازيل، وفرض الفرنسية في مستعمراتها الإفريقية، إضافة إلى قمع اللغة الكورية خلال الاحتلال الياباني.
ورغم ذلك، تمكنت بعض اللغات من الصمود، مثل لغات حضارات الإنكا والمايا والأزتيك، التي استمرت رغم محاولات طمسها.
وفي الوقت الحالي، تُعد نحو نصف لغات العالم مهددة بالاندثار، بينما يتحدث 90% من سكان العالم 10% فقط من إجمالي اللغات، في حين تعتمد آلاف اللغات الأخرى على أعداد محدودة جدًا من المتحدثين أو مستخدمي لغة الإشارة، ما يجعلها أكثر عرضة للاختفاء خلال العقود المقبلة، ومعها يختفي جزء مهم من التراث الثقافي والمعرفي للبشرية.














