ترسخ سنغافورة مكانتها الاستثنائية كواحدة من أكثر الدول نجاحًا في إطالة أمد الحياة، إذ تتصدر دول العالم في معدلات متوسط العمر المتوقع ومتوسط العمر الصحي على حد سواء، إلا أن هذه المكاسب المذهلة المتمثلة في العيش لفترات أطول بدأت تكشف عن تكلفة خفية وتحدٍ استراتيجي معقد، يكمن في اتساع الفجوة بين إجمالي سنوات العمر التي يعيشها الإنسان وتلك التي يعيشها وهو يتمتع بصحة جيدة واستقلالية كاملة.
تُظهر دراسة حديثة أعدها معهد القياسات الصحية والتقييم بالتعاون مع جامعة سنغافورة الوطنية ونُشرت في مجلة "ذا لانسيت للصحة العامة"، أن التحسن الحاصل في منع الوفيات المبكرة يفوق بكثير التطور في الحفاظ على الصحة خلال سنوات العمر المتأخرة.
وقد تتبع الباحثون عبر بيانات شملت مئات الدول بين عامي 1990 و2023 اتجاهات ما يُعرف بـ"فجوة الاعتلال"، وهي الفارق بين إجمالي سنوات الحياة وسنوات الصحة الممتازة، ليتضح أن هذه الفجوة اتسعت بمعدلات ملحوظة عالميًا وفي سنغافورة بشكل خاص، حيث يقضي الأفراد سنوات متزايدة في أواخر أعمارهم وهم يعانون من الأمراض المزمنة أو الإعاقات غير المميتة.
وتأتي هذه النتائج العلمية لتشكل تحديًا مباشرًا للنظرية الطبية التقليدية المعروفة بـ "انضغاط المرض"، والتي كانت تفترض أن الارتقاء بمستويات الطب والوقاية سيؤدي حتمًا إلى تأجيل فترة الإعاقة والملازمة المرضية وحصرها في نطاق زمني ضيق للغاية قرب نهاية الحياة.
وعلى النقيض من ذلك، يتكشف الواقع عن تراكم الخسائر الصحية والأمراض غير المميتة تدريجيًا طوال سنوات البلوغ والشيخوخة، ليصبح التحدي الأكبر لا يقتصر على إطالة الأعمار فحسب، بل على كيفية تمكين الأفراد من الاحتفاظ بقدراتهم الحركية والعقلية.
الفارق بين الجنسين في طول العمر
وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة عالمية تُعرف بـ"مفارقة الصحة بين الجنسين"، إذ تُظهر الأرقام أن النساء في سنغافورة وحول العالم يعشن سنوات أطول من الرجال بشكل عام، ولكنهن يقضين فترات أطول بكثير في معاناة مع الاعتلالات الصحية والإعاقات الوظيفية مقارنة بالرجال، ويرجع هذا الفارق المتسع إلى تراكم الأمراض المنهكة غير القاتلة التي تستمر لفترات زمنية طويلة خلال مراحل الأعمار المتقدمة لدى الإناث.
وتتحدد المسببات الرئيسية لهذه الفجوة المتزايدة في مجموعة من الحالات الصحية التي لا تؤدي إلى الموت المباشر لكنها تضعف جودة الحياة بمرور الوقت، وتأتي في مقدمة هذه المسببات اضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي وعلى رأسها آلام أسفل الظهر، يليها الاضطرابات النفسية كالقلق والاكتئاب، فضلًا عن تراجع وظائف الحواس مثل ضعف السمع المرتبط بالتقدم في السن، والإصابات الناتجة عن السقوط المتكرر لدى كبار السن.
أما على صعيد العوامل المؤدية لظهور هذه الحالات في سنغافورة، فتبين الدراسة أن ارتفاع نسبة الجلوكوز في الدم وارتفاع مؤشر كتلة الجسم يمثلان الخطر الأكبر، إلى جانب ضغط الدم المرتفع والمخاطر المهنية والأنظمة الغذائية غير المتوازنة، وتدعو هذه المؤشرات إلى ضرورة إحداث تحول جذري في استراتيجيات الرعاية الصحية والمؤسسية، بحيث لا تقتصر جودة النظام الصحي على التباهي بخفض معدلات الوفيات فقط، بل تقاس بمداه وقدرته على خفض معدلات العجز والحد من عبء الأمراض المزمنة.
إعادة صياغة أولويات الصحة العامة
تتيح هذه المعطيات لسنغافورة فرصة تاريخية للريادة العالمية من جديد، ولكن عبر صياغة مفهوم أوسع للتقدم في القطاع الصحي، فلم يعد الهدف هو تأمين التدخلات العلاجية الطارئة فقط، بل الاتجاه نحو الوقاية المبكرة، والحد من السمنة، وتعزيز برامج الصحة النفسية، وتطوير البنية التحتية لإعادة التأهيل ورعاية كبار السن بما يضمن استقلاليتهم.
قياس متوسط العمر الصحي ومتابعة فجوة الاعتلال يمنحان صناع القرار أدوات دقيقة لوضع الموارد في نصابها الصحيح، فتوجيه الاستثمارات نحو مكافحة أمراض الشيخوخة غير المميتة وتعديل أنماط الحياة يمثل السبيل الوحيد لتحويل السنين الإضافية المكتسبة إلى سنوات مفعمة بالحيوية والانتاجية، لتبقى تجربة سنغافورة نموذجًا يستند إليه العالم في مواجهة تحديات العمر المديد.













