أظهرت دراسة علمية حديثة أن التوائم يواجهون تحديات ملموسة، تتمثل في تأخر التطور خلال مرحلة الطفولة المبكرة، وذلك عند مقارنتهم بأشقائهم الذين وُلدوا منفردين.
وقد رصد الباحثون، في دراستهم التي نُشرت في دورية «تشايلد ديفيلوبمنت»، تراجعًا في مهارات التوائم المعرفية واللغوية والاجتماعية والعاطفية مع اقترابهم من سن المدرسة ومع ذلك فقد استطاع هؤلاء الأطفال تحقيق قفزة نوعية بتجاوز أشقائهم في المهارات اللغوية تحديدًا عند بلوغهم سن السابعة. ومن هنا تبرز النتائج الإجمالية ضرورة استفادة التوائم من الدعم المبكر الذي يهدف إلى تقليل التفاوت في التعلم وتعزيز فرصهم في النجاح الأكاديمي المستقبلي.
وفي سياق تفسير هذه الظاهرة أوضحت إميلي وود، وهي خبيرة علم نفس النمو في جامعة كينجز كوليدج لندن، والمؤلفة الرئيسية للبحث، أن تجربة التوائم تفرض مجموعة محددة من التحديات التي غالبًا ما يتم تجاهلها حيث ذكرت أن «وجود طفلين في العمر نفسه تمامًا يضعهما في منافسة مباشرة على كل شيء بدءًا من الألعاب والطعام وصولًا إلى اهتمام الوالدين الفردي» كما اعتبرت أن هذا التحدي يعد جزءًا متأصلًا في كينونة التوأم وهو أمر لا يضطر آباء الأطفال المنفردين إلى خوض غماره بالطريقة ذاتها.
تفاصيل الدراسة والمنهجية العلمية
وبالنظر إلى الجانب المنهجي فقد استند هذا البحث الذي قاده علماء من جامعة يورك البريطانية إلى تحليل بيانات «دراسة التطور المبكر للتوائم» المعروفة باسم «تيدز» حيث شملت العينة بيانات 851 زوجًا من التوائم وأشقائهم الأصغر المنفردين في المملكة المتحدة. وتتبعت هذه البيانات التي جُمعت في المدة ما بين عامي 1996 و2004 مسار التقدم التطوري للأطفال في محطات عمرية مختلفة شملت سن السنتين والثلاث والأربع والسبع سنوات وذلك عبر ثلاثة مجالات رئيسية هي اللغة والإدراك والمهارات الاجتماعية والعاطفية.
وفي سبيل تقييم هذا التطور اعتمد الباحثون في الأعمار المبكرة على استبيانات دقيقة أكملها الآباء بينما تم الحصول على بيانات سن السابعة مباشرة من الأطفال عبر الهاتف مما أضفى ميزة تنافسية لهذه الدراسة لقدرتها على مقارنة التوائم وأشقائهم داخل الأسرة الواحدة وهو ما ساعد في ضبط العوامل المربكة مثل الوراثة والبيئة والظروف المنزلية المشتركة.
نتائج التطور المعرفي والاجتماعي
أما فيما يخص النتائج التفصيلية فقد سجل الأطفال المنفردون درجات أعلى من التوائم في جميع المراحل العمرية ضمن اختبارات الإدراك التي تضمنت أسئلة مفاهيمية ومهام حل الألغاز كما أظهروا مستويات أعلى في تطور المهارات الاجتماعية والعاطفية عبر ممارسة سلوكيات إيجابية تجاه المجتمع مع ظهور مشكلات سلوكية وعاطفية أقل حدة لديهم.
وبالإضافة إلى ذلك فقد لاحظ الباحثون أن الفوارق في قضايا معينة مثل فرط النشاط ومشكلات الأقران قد اتسعت فعليًا مع اقتراب الأطفال من سن المدرسة وبالرغم من وصف الدراسة لهذه الانخفاضات في مهارات التوائم بأنها ذات أحجام تأثير صغيرة إلى متوسطة إلا أنها تظل ذات دلالة مهمة من الناحيتين الإحصائية والعملية.
وعلى صعيد المهارات اللغوية فقد شهدت النتائج تحولًا مفاجئًا ومثيرًا للاهتمام فبينما سجل التوائم درجات أقل من أشقائهم المنفردين في بداياتهم المبكرة إلا أنهم تمكنوا من اللحاق بهم وتجاوزهم في هذا المجال عند وصولهم لسن السابعة مما جعل هذا الاكتشاف أحد أبرز نقاط المقارنة في الدراسة لقدرته على رصد التباين بين التعثر الأولي والتميز اللاحق في القدرة على التواصل.
أسباب الفوارق التطورية والضغوط الوالدية
وتعزو الدراسة هذه الأنماط التطورية المتباينة إلى تداخل عوامل عدة تؤثر في حياة التوائم حيث يميل الآباء أحيانًا إلى منح اهتمام أكبر للأشقاء الأصغر سنًا لظنهم أن الأطفال الأكبر سنًا أكثر استقلالية وفي المقابل يضطر التوائم إلى تقاسم اهتمام الوالدين بشكل دائم ومستمر.
وتؤكد الدراسة أيضًا أن تربية التوائم قد تكون أكثر إرهاقًا من النواحي العاطفية والجسدية والمادية مما ينعكس سلبًا على جودة التفاعل اليومي وقد أوضح الباحثون أن هذه الضغوط تؤثر بشكل مباشر على طبيعة الخطاب الوالدي الموجه للتوائم إذ غالبًا ما يتضمن جملًا أقصر وأقل تعقيدًا مقارنة بالخطاب الموجه للطفل الوحيد وهو ما يؤدي في المحصلة إلى حصول التوائم على فرص أقل في المحادثة أو الرعاية الجسدية المباشرة كالحمل والاحتضان.
الهوية والتفاعلات الاجتماعية الفريدة
وفي زاوية أخرى من البحث أثارت الدراسة تساؤلات جوهرية حول أثر الطبيعة البيولوجية الفريدة للتوائم على نموهم فقد ذكر الفريق البحثي أن التوائم يتشاركون الرفقة منذ لحظات التكوين الأولى في الرحم كما أن التوائم المتماثلين قد يشتركون في المشيمة الواحدة وأحيانًا في الكيس الأمنيوسي نفسه.
ومن هذا المنطلق أشار الفريق إلى أن اعتياد الطفل على اللعب مع رفيق يشبهه في كل شيء قد يجعله أكثر ترددًا في التفاعل مع الأطفال الغرباء كما أن التعامل مع التوائم كزوج لا كأفراد مستقلين ومقارنتهم ببعضهم البعض باستمرار قد يسهم في تقوية الروابط بينهم لكنه في الوقت ذاته قد يؤثر على تشكل الهوية المستقلة لكل طفل منهما.
سياق تاريخي وضرورة التدخل المبكر
وتأتي هذه النتائج لتسهم في حسم التضارب الذي شهدته الأدلة العلمية السابقة حول نمو التوائم فبينما أشار تحليل شمولي سابق شمل 15 ألف زوج من التوائم إلى تراجع في درجات الذكاء بعدة نقاط خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة كانت دراسات أخرى قد وجدت فروقًا طفيفة لا تذكر. واليوم يشدد الباحثون على أن المبادرات التعليمية الاستباقية قد اكتسبت أهمية مضاعفة مع الارتفاع العالمي في معدل الولادات المتعددة الناتج عن تأخر سن الحمل وزيادة الاعتماد على تقنيات التلقيح الاصطناعي.
ولذلك خلصت الدراسة إلى ضرورة توفير دعم إضافي للتوائم في سنواتهم الأولى لتفادي تأخر النمو في المهارات التي تشكل ملامح المستقبل مع التأكيد على أن الفشل في ردم هذه الفجوة التعليمية قد يفضي إلى ظهور سلوكيات غير تكيفية طويلة الأمد مثل الميل إلى التجنب أو الافتقار إلى الحوافز والدافعية.














