في صباح شتوي من يناير 1976، وقف المراهق البريطاني جون تاي خلف سياج شائك في مطار هيثرو، يحدق بعيون مبهورة في طائرة أنيقة تستعد لصناعة التاريخ، كانت تلك أول رحلة تجارية لطائرة الكونكورد التابعة للخطوط الجوية البريطانية، الطائرة التي اختصرت المسافات وغيرت مفهوم السفر الجوي.
يومها، لم يكن تاي يعلم أن هذا المشهد سيظل محفورًا في ذاكرته، وأنه بعد نحو عقدين سيجلس بنفسه في قمرة قيادة الطائرة الأسرع من الصوت، محققًا حلمًا ولد في سن المراهقة.
يتذكر تاي لحظة دخوله قمرة القيادة للمرة الأولى وكأنها حدثت بالأمس، فبالرغم من التدريب المكثف وأجهزة المحاكاة، فإن التجربة الحقيقية في إشبيلية بإسبانيا كانت مختلفة تمامًا، فمع غروب الشمس خلف المدرج، بدأ تشغيل محركات رولز رويس أوليمبوس الأربعة، لتملأ الطائرة اهتزازات وقوة لم يعهدها من قبل، حيث قال تاي إن لحظة التسارع على المدرج، والدفع القوي الذي ألصقه بالمقعد، كانت تجربة يستحيل وصفها بالكلمات.
الكونكورد… طائرة سبقت عصرها
على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود، حلّقت طائرات الكونكورد بسرعة تعادل ضعف سرعة الصوت، قاطعة المحيط الأطلسي في أقل من ثلاث ساعات ونصف. كانت الطائرة تتسع لنحو 100 راكب فقط، وتذاكرها باهظة الثمن، ما جعلها حكرًا على نخبة محدودة من رجال الأعمال والمشاهير، ورغم أن قلة من البشر اختبروا الجلوس في مقاعدها، فإن عدد من قادوها كان أقل بكثير.
الخطوط الجوية البريطانية والخطوط الجوية الفرنسية كانتا الشركتين الوحيدتين اللتين شغّلتا الكونكورد، ويُقال إن عدد رواد الفضاء الأميركيين المؤهلين كان يفوق عدد طياري الكونكورد البريطانيين خلال سنوات الخدمة، في إشارة إلى ندرة هذه النخبة الجوية.
الجيل الأول من الطيارين.. مغامرة بلا سابقة
كان بيتر دافي، الذي توفي عام 2024 عن عمر ناهز 98 عامًا، من أوائل الطيارين الذين اختيروا للطيران على الكونكورد، تعلم دافي الطيران في سلاح الجو الملكي خلال الحرب العالمية الثانية، شارك في تطوير الطائرة واختبارها، وساهم في وضع أول خطة تدريبية لها.
وأكد دافي أن الفضول كان دافعًا أساسيًا لتقدمه، فالجميع كان يعلم أن الكونكورد مشروع استثنائي لا يتكرر.
أما الطيار جوك لوي، فقد ارتبط اسمه بالطائرة منذ ولادتها تقريبًا، إذ بلغ الخامسة والعشرين في اليوم الذي حلّقت فيه الكونكورد لأول مرة عام 1969، وما زال لوي يتذكر صدمته الأولى عندما رآها على أرض الواقع في قاعدة فيرفورد الجوية، قبل أن يعيش لحظة الإقلاع الأولى التي شبّهها لاحقًا بالانتقال من حافلة عادية إلى سيارة فورمولا 1.
الإقلاع… بداية الرحلة إلى عالم آخر
يصف الطيارون لحظة الإقلاع بأنها قلب التجربة كلها، فبمجرد مغادرة الأرض، كانت الكونكورد تصعد بسرعة هائلة، تتجاوز قدرات الطائرات التقليدية بكثير، حيث قال توني يول، الضابط الأول السابق، إن الطائرة كانت تصعد بمعدل يصل إلى 4000 قدم في الدقيقة حتى تبلغ ارتفاعًا يقارب 28 ألف قدم، قبل أن تستعد لاختراق حاجز الصوت فوق المحيط.
عند الوصول إلى قناة بريستول، كان الطيارون يبلغون الركاب مسبقًا باللحظة التاريخية، لا اهتزازات عنيفة ولا ضجيج مخيف، بل انزلاق سلس أشبه بمرور سكين ساخن في زبدة دافئة، كما يصف يول، وبعدها بقليل، تصل الطائرة إلى سرعة 2 ماخ وتحلق على ارتفاع يقترب من 60 ألف قدم، حيث ينحني الأفق وتتحول السماء إلى لون داكن يقترب من السواد.
حياة يومية بطابع أسطوري
رغم الطابع الفائق للتكنولوجيا، كانت الحياة اليومية على متن الكونكورد تحمل لمسات من الرفاهية الفريدة، فبعد نحو عشرين دقيقة من الإقلاع، يبدأ طاقم الضيافة تقديم الخدمة، وكثير من الركاب كانوا مسافرين دائمين، فبالتالي يعرف الطاقم مشروباتهم المفضلة عن ظهر قلب.
وفي قمرة القيادة، كان الشاي الإنجليزي يُقدَّم إلى جانب أطباق من أفخر أنواع الكافيار، في مشهد يجسد تزاوج الفخامة مع الابتكار.
ويشير لوي إلى أن التحليق على ارتفاع 60 ألف قدم كان يمنح الطيارين رؤية تمتد لمئات الآلاف من الأميال المربعة، ما يجعل الخرائط تتحول إلى واقع حي أمام أعينهم.
المشاهير على متن الطائرة الأسرع من الصوت
قبل تشديد الإجراءات الأمنية بعد أحداث 11 سبتمبر، كانت قمرة قيادة الكونكورد شبه مفتوحة، وكان اختلاط الطيارين بالمشاهير جزءًا طبيعيًا من العمل، وذكر تاي لقاءه الأول بإلتون جون، ويعترف بأنه كان مذهولًا لدرجة أنه بالكاد يتذكر النقاش الذي دار بينهما، ولاحقًا، التقى بميك جاغر وبول مكارتني، بينما نقل لوي خلال مسيرته أسماءً لامعة مثل محمد علي وريتشارد نيكسون، وحتى الملكة إليزابيث الثانية في رحلة رسمية.
أسباب النهاية… عندما سبقت الأسطورة زمنها
انتهى عصر الكونكورد رسميًا في نوفمبر 2003، وجاء القرار نتيجة عوامل متعددة، أبرزها حادث تحطم طائرة تابعة للخطوط الجوية الفرنسية عام 2000، وما تبعه من تراجع ثقة بعض الركاب، إضافة إلى هجمات 11 سبتمبر التي أثرت بشدة على قطاع الطيران، كما أن تكاليف الصيانة الباهظة وتقادم التكنولوجيا جعلت استمرار تشغيل الطائرة أمرًا صعبًا اقتصاديًا.
ويرى الطيارون أن إيقاف الكونكورد كان حتميًا، حتى وإن جاء مؤلمًا، ويصف تاي الرحلة الأخيرة بأنها يوم حزين، اختلطت فيه الدموع بالفخر، بينما يؤكد ويستراي أن وداع الطائرة كان لحظة عاطفية لا تُنسى.
هل يعود الطيران الأسرع من الصوت؟
بعد قرابة عقدين من تقاعد الكونكورد، لا يزال حلم الطيران الأسرع من الصوت حاضرًا، حيث تعمل شركات ناشئة مثل “بوم سوبرسونيك” على تطوير طائرات جديدة، لكن الآراء تختلف حول إمكانية النجاح.
يرى لوي أن تحديات التكلفة والوقود قد تعرقل المشروع، بينما يعتقد تاي أن العودة ممكنة بشرط تطوير محركات أكثر هدوءًا وكفاءة، أما ويستراي، فيرى أن الطريق لا يزال طويلًا، لكنه يؤمن بأن الابتكار لن يتوقف.
إرث لا يزول
بالنسبة لطياري الكونكورد السابقين، لم تكن الطائرة مجرد وسيلة نقل، بل تجربة إنسانية ومهنية استثنائية، حيث أكد تاي أنه كان يستيقظ كل صباح ممتنًا لوظيفته، بينما يتجه الآخرون إلى محطات القطار، كان هو يقود سيارته إلى المطار ليستقل طائرة تنطلق إلى نيويورك بسرعة تفوق الصوت.
هكذا، تبقى الكونكورد رمزًا لعصر نجح فيه الإنسان على كسر حواجز صعبة، وطائرة أثبتت أن الأحلام، مهما بدت بعيدة، يمكن أن تصبح حقيقة تحلق في السماء.
اقرأ أيضًا:
مَن هُم أطول الرجال عُمرًا في التاريخ وكيف تحدّوا المستحيل؟














