مع تزايد دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي، بدأ الطلاب يشهدون تحولات غير مسبوقة في طريقة التفاعل داخل الصفوف. يستخدم عدد متزايد من الطلاب برامج الدردشة الذكية لكتابة الواجبات والمقالات، ما أثر بشكل مباشر على النقاشات الصفية التقليدية وقدرة الطلاب على التعبير الشخصي والمشاركة بأفكار متباينة.
ووفقًا لشبكة "CNN" أظهرت دراسة حديثة نُشرت في مارس بمجلة Trends in Cognitive Sciences أن نماذج الذكاء الاصطناعي تعمل على توحيد التعبير البشري والتفكير عبر ثلاثة محاور رئيسية: اللغة، والمنظور، والاستدلال. ويشير كل من الطلاب والمعلمين إلى أن تأثير هذا التوحيد أصبح ملحوظًا في الصفوف الدراسية، حيث بدأت ملامح النقاشات الصفية تفقد تنوعها، ويظهر الطلاب وكأنهم يتحدثون بطريقة متشابهة.
لماذا يلجأ الطلاب للذكاء الاصطناعي ؟
يعود استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي في الصفوف إلى رغبتهم في تسهيل التعبير عن أفكارهم وتقديم حجج أكثر ترابطًا. وقالت جيسيكا، طالبة في سنتها الأخيرة بجامعة ييل، لشبكة CNN إنها تعتمد يوميًا على برامج الدردشة الذكية، خاصة في الحصص التي يختار فيها الأستاذ الطلاب عشوائيًا للمشاركة
في بداية الندوة، كان بإمكانك رؤية كل طالب وهو يدخل ملفات PDF في البرنامج" لمساعدته على صياغة تعليقاته. كما تستخدم الذكاء الاصطناعي لمساعدتها في التعبير عندما تواجه صعوبة في صياغة جملها بنفسها، قائلة: "أريد التعليق، ولدي فكرة، لكنني لا أعرف كيف أصيغها، لذلك أطلب من البرنامج أن يجعل كلامي أكثر ترابطًا"
أوضح متحدث باسم جامعة ييل أن الطلاب يواصلون تجربة استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في الفصل الدراسي وهم على دراية بالطرق المختلفة لاستخدامها، بما في ذلك ما تم توضيحه في هذا التقرير. وأضاف أن الجامعة تشهد توجهًا متزايدًا من أعضاء هيئة التدريس نحو تصميم دورات تعتمد على المواد المطبوعة والتفاعل المباشر مع الزملاء والمعلمين، مع تقليل أو منع استخدام الحواسيب المحمولة، بهدف دعم التعلم والتفكير الأصلي
وقال توماس تشاترتون ويليامز، أستاذ العلوم الإنسانية الزائر وزميل بارز في مركز هانا أرندت بجامعة بارد، إن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الصفوف الدراسية له تأثير مزدوج: فهو يحسن مستوى النقاش في المواد المعقدة، لكنه قد يقلل من ظهور الأفكار الأصيلة والمبتكرة.
واعترفت طالبة تُدعى جيسيكا بأنها شعرت بالكسل أكثر منذ بدأ استخدامها لبرامج الدردشة الذكية لمساعدتها في دروسها، قائلة: "لقد لاحظت أن أخلاقيات عملي قد ضعفت مقارنة بما كنت عليه في المدرسة الثانوية"
الجميع يتحدث بنفس الطريقة
توصل الباحثون إلى أن نماذج اللغة الكبيرة للذكاء الاصطناعي تميل إلى تجانس التعبير البشري والفكر عبر اللغة والمنظور واستراتيجيات التفكير، مما يقلل التنوع في الأفكار والآراء داخل الفصول الدراسية. وأوضح الباحث زيفار سوراتي، طالب دكتوراه بجامعة جنوب كاليفورنيا، أن هذه النماذج مدربة على البيانات السائدة، ما يجعل إجاباتها تمثل "شريحة ضيقة" من التجربة الإنسانية، ويؤدي إلى تكرار وجهات نظر غربية متعلمة وغنية وديمقراطية حتى عند محاولة تمثيل هويات أخرى
وأشار الباحثون إلى أن الاعتماد المتكرر على الذكاء الاصطناعي قد يقلل من إبداع الطلاب ويحد من قدرتهم على التفكير النقدي، حيث تصبح إجاباتهم دقيقة لكنها محدودة في التنوع، ويخسر الطلاب بذلك الفرصة لتوليد أفكار أصيلة
وقال مرتضى دهقاني، أستاذ علم النفس وعلوم الحاسوب في الجامعة نفسها، إن الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى فقدان الابتكار والقدرة على انتقاد الأفكار السائدة، ويؤثر على المجتمع بشكل عام، خصوصًا في التعليم، حيث يمكن أن يصبح الطلاب أكثر تجانسًا في طريقة تفكيرهم وكتابتهم مع مرور الوقت
وأكدت طالبة جامعة ييل، صوفيا، أن هذا الاعتماد يقلل الإبداع، إذ يفقد الطلاب القدرة على الربط بين الأفكار ويصبح التفكير أكثر محدودية. وأوضح مؤلفو الدراسة أن الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في الكتابة والتفكير يعيد إنتاج هذه المخرجات في الخطاب البشري، ما يضمن استمرار التجانس وتراكمه في الأجيال القادمة
كيف يغير الذكاء الاصطناعي طريقة تفكير الطلاب؟
حذر عدد من طلاب الجامعات، من أن الذكاء الاصطناعي يقلل الإبداع في الصفوف الدراسية. تقول صوفيا، إحدى الطالبات اللاتي يحاولن مقاومة الاعتماد على برامج الذكاء الاصطناعي، إن الطلاب يعتمدون على "كلمات كبيرة" بدل التفكير الشخصي، بينما تضيف أماندا أن المناقشات الصفية فقدت عمقها بسبب الاعتماد على الروبوتات، وفقد الطلاب الدافع للتفاعل مع المادة الدراسية بشكل شخصي.
ويرى دانيال باك، باحث ومدرس سابق، أن الطلاب الذين يكلّفون الذكاء الاصطناعي بالتفكير يفقدون المهارات الأساسية لتطبيق المعرفة في مواقف جديدة، مشيراً إلى أن الفرق بين الذكاء الاصطناعي وتقنيات الاختصار السابقة، مثل سبارك نوتس، هو أن الذكاء الاصطناعي قادر على الإجابة على أي سؤال، مما يجعل من الصعب على المعلمين معرفة مدى مشاركة الطلاب الفعلية.
ويقول ويليامز ودهقاني إن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في التفكير وحل المشكلات يقلل من القدرة على توليد أفكار أصلية، وقد يؤثر على الأجيال القادمة في التعليم والإبداع. كما يضيف باك أن قراءة أفكار الطلاب الأصلية والتفاعل معها تمنح المعلمين فهماً أعمق لكيفية التفكير النقدي لديهم، وهو جانب يختفي عند الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي
في مواجهة الانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي بين الطلاب، يسعى المعلمون في الجامعات إلى ابتكار طرق لضمان استمرار التفكير النقدي والإبداعي لدى الطلاب. تقول سون جو شين، أستاذة الفلسفة في جامعة ييل: "أريد أن يستفيد الطلاب من أدوات الذكاء الاصطناعي دون أن يصبحوا ضحايا لها، وأن يفهموا المحتوى الدراسي بطريقة أعمق".
وتتضمن استراتيجيات المعلمين تعديلات في شكل التقييمات، مثل اختبارات شفهية، وواجبات مكتوبة داخل الصف، وتقليل الاعتماد على التمارين المنزلية التي يمكن للذكاء الاصطناعي المساعدة فيها، مع التركيز على المشاركة الشخصية ومهارات التفكير المستقل. كما تُستخدم اختبارات مفاجئة ومراجعة جماعية لضمان اكتساب الطلاب المعرفة بطريقة حقيقية، وليس مجرد نسخ إجابات من أنظمة الذكاء الاصطناعي.
هذه الإجراءات تهدف إلى منع الاعتماد الكامل على التكنولوجيا، وتشجيع الطلاب على تطوير مهاراتهم في التحليل والنقد وحل المشكلات بأنفسهم، وهو ما يعتبر أساس التعلم الفعّال في الجامعات
اقرأ أيضًا :
بعد إغلاق موقع "ماسنجر".. كيف تصل إلى رسائلك الآن؟
ميتا تُعلن نهاية "ماسنجر" رسميًا
نماذج ذكاء اصطناعي جديدة تفتح الباب لاختراقات كبرى












