في لعبة شطرنج جيوسياسية تحبس أنفاس العالم، تقف ناقلات النفط الإيرانية العائمة كقنابل موقوتة تنتظر شرارة الانفجار، هكذا يبدو المشهد من أروقة البيت الأبيض، حيث أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرًا دراميًا يوحي بأن البنية التحتية النفطية لطهران تفصلها أيام معدودة عن انهيار كارثي لا رجعة فيه.
لكن خلف هذه التصريحات النارية، التي تتوقع دمارًا وشيكا بسبب تكدس الخام وعدم القدرة على التصدير، يختبئ واقع تقني واقتصادي مغاير تماما.
الخبراء ومحللو أسواق الطاقة يرون أن النبوءة الأمريكية بانهيار سريع ومفاجئ لن تتحقق الأسبوع الحالي ولا حتى الأسابيع القادمة وتتحول المواجهة المباشرة إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تختبر قدرة الطرفين على تحمل الألم الاقتصادي قبل التراجع.
سباق ضد الزمن.. لماذا لن يحدث الانفجار الموعود؟
صرح ترامب لشبكة فوكس نيوز بثقة كبيرة حول مستقبل المنشآت الإيرانية المكتظة بالنفط الخام، وقال «شيء ما يحدث حيث ينفجر الأمر ببساطة. يقولون إن لديهم ثلاثة أيام فقط قبل حدوث ذلك. وعندما ينفجر لا يمكنك إعادة بنائه كما كان أبدًا».
يعتمد هذا التوقع على فكرة أن توقف التصدير سيؤدي إلى اختناق المنظومة بأكملها تحت ضغط الإنتاج المستمر.
على الجانب الآخر من المعادلة تمتلك إيران دروعا تخزينية تمتص هذه الصدمة الأولى. المساحات المتاحة في الخزانات تمنح المهندسين الإيرانيين أسابيع قيمة لخفض وتيرة العمل في حقول النفط تدريجيا وبطريقة آمنة. أنطوان هالف الخبير في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا يفند فرضية الدمار المفاجئ موضحا أن السعة التخزينية توفر وقتا كافيا لإغلاق الحقول بشكل منظم. يضيف هالف «إذا قمت بذلك كله بطريقة منظمة فإنك تقلل الضرر الذي يلحق بالحقل. وقد لا تواجه أي ضرر في الحقل».
لغة الأرقام والتكيف مع الخنق البحري
لا يعني استبعاد سيناريو الانفجار المادي، أن طهران في مأمن من الاحتراق الاقتصادي، وتفرض السفن الحربية الأمريكية طوقًا صارمًا يمتد من خليج عمان إلى بحر العرب. وتؤكد مؤسسة كبلر المتخصصة في تتبع السفن عدم رصد أي عبور مؤكد لناقلة إيرانية عبر منطقة الحصار. هذا الخناق أسقط معدلات تحميل النفط والمكثفات في الموانئ الإيرانية انهيارا مدويا من 2.1 مليون برميل يوميا إلى 567 ألف برميل فقط.
تبلغ التكلفة اليومية لهذا الحصار نحو 500 مليون دولار وفقا لتصريح مسؤول في البيت الأبيض لشبكة سي إن بي سي. الإدارة الأمريكية تدرك حجم هذا النزيف وتؤكد أن الحصار وضع ضغوطا اقتصادية غير مسبوقة على إيران وسيظل قائما حتى تقبل طهران باتفاق نووي يحظى برضا واشنطن. ويشدد المسؤولون في الإدارة الأمريكية على أن مضيق هرمز يعتبر مياها دولية ولن يسمح لإيران بفرض سيطرتها عليه.
معركة الإرادات.. من يملك مدرجا أطول للصمود؟
مع تضاؤل خيارات التصدير تضطر إيران إلى ضخ إنتاجها في صهاريج التخزين لتعويض انسداد قنوات البيع.
فرناندو فيريرا رئيس خدمة المخاطر الجيوسياسية في رابيدان إنرجي يعتقد أن طهران استوعبت دروس التاريخ جيدا ويقول «لقد استعدوا للحصار. لقد فكروا في الأمر مليا. ورأوا ما حدث في فنزويلا». يضيف المحلل بثقة يقينية «إنهم مستعدون للصمود لأشهر».
الحسابات التخزينية تشير إلى أن إيران تملك 26 يوما على الأقل قبل امتلاء خزاناتها بالكامل واضطرارها لخفض الإنتاج بشكل إجباري. هذا التقدير المحافظ قد يمتد إلى 76 يوما أو أكثر من شهرين بفضل السعة التخزينية القصوى المتوفرة وعودة 31 سفينة مرتبطة بإيران لتلعب دور الخزانات العائمة وتوفر مساحة تستوعب خمسين مليون برميل إضافي. هنا يبرز التحدي الحقيقي المتمثل في الإطار الزمني اللازم لجعل طهران تصرخ من الألم الاقتصادي. يشير فيريرا إلى أن هذا المدرج الزمني الإيراني قد يكون أطول بكثير مما يضعه ترامب في حسبانه لتحقيق نتائج سياسية سريعة.
نقطة الانهيار الحقيقية
الخطر الأكبر الذي يهدد إيران ليس دمار بنيتها التحتية وإنما جفاف شرايينها المالية. يطرح همايون فلكشاهي رئيس قسم تحليل النفط الخام في كبلر التساؤل الأهم حول التوقيت الذي تنفد فيه إيرادات إيران تماما حيث يرى أن تخفيض الإنتاج ليكفي الاستهلاك المحلي فقط قد يجعل مسألة مساحة التخزين غير ذات أهمية. تمتلك طهران نحو 120 مليون برميل محملة على ناقلات شرق منطقة الحصار تكفي لتأمين إيرادات تعادل شهرين تقريبا رغم صعوبات البيع واستلام الأموال النقدية.
يحذر فلكشاهي من المستقبل القريب المظلم قائلا «إذا استمر الحصار لشهرين آخرين فقد تتهاوى إيرادات إيران النفطية إلى الصفر». الإدارة الأمريكية تراهن على هذه اللحظة تحديدا لإجبار الإيرانيين على العودة إلى طاولة المفاوضات لتقديم تنازلات مؤلمة وجوهرية.
بين توقعات بانفجار وشيك وحسابات معقدة لصناعة تتكيف مع الخنق المفروض يبدو أن مضيق هرمز سيظل شاهدا على واحدة من أشرس معارك الاستنزاف المفتوحة في العصر الحديث. ومع استبعاد انهيار البنية التحتية النفطية في المستقبل المنظور يبرز سؤال أكثر إلحاحا يطرح نفسه بقوة على صناع القرار في واشنطن وطهران على حد سواء وهو إلى متى يمكن لاقتصاد محاصر أن ينزف بصمت قبل أن يعلن الاستسلام التام في حرب لا تطلق فيها رصاصة واحدة؟














