في تطور علمي لافت، أظهرت دراسة حديثة أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وعلى رأسها ChatGPT-5.2، باتت قادرة على ابتكار براهين رياضية غير مسبوقة، عبر منهجية جديدة أطلق عليها الباحثون "الإثبات بالذبذبات"، ما يعكس تحولًا نوعيًا في قدرات هذه النماذج.
ChatGPT يحل مسألة رياضية
وبحسب فريق من مختبر تحليل البيانات بجامعة بروكسل الحرة (VUB)، فإن نماذج اللغة لم تعد مجرد أدوات لمعالجة النصوص، بل أصبحت تساهم فعليًا في إنتاج براهين رياضية، بعدما نجح النموذج (Thinking) في التوصل إلى حل مسألة رياضية بشكل مستقل.
ووفقًا لموقع "scitechdaily"، تناولت الدراسة فرضية طرحها عالما رياضيات في عام 2024، وهي فكرة مدعومة بمؤشرات وأنماط متكررة، لكنها لم ترتقِ بعد إلى مستوى النظرية لغياب البرهان الحاسم. وتمكن النموذج من التعامل مع هذه الفرضية ضمن إطار استدلالي جديد.
ركزت القضية على إثبات فرضية طرحها عالما الرياضيات ران وتينغ عام 2024. الفرضية هي عبارة يُعتقد بصحتها بناءً على أنماط أو نتائج متكررة، لكنها لم تحظَ بإثبات رسمي حتى الآن. ويُعد تحويل الفرضية إلى نظرية خطوة محورية لا تتحقق إلا عبر برهان رياضي دقيق.
وأوضحت الدراسة أن الوصول إلى البرهان النهائي لم يكن نتيجة محاولة واحدة، بل جاء عبر مسار تفاعلي تضمن سبع جلسات حوارية مع نموذج ChatGPT، إلى جانب تطوير أربع صيغ متتالية للحجة الرياضية. وخلال هذه العملية، أدى النموذج دورًا أساسيًا في اقتراح مسارات استدلالية متعددة واستكشاف زوايا جديدة للمسألة، فيما تولّى الباحثون مهمة التدقيق والتحقق من سلامة المنطق واكتمال البناء البرهاني، لضمان دقة النتيجة النهائية.
نماذج اللغة تبتكر حلول في الرياضيات
أظهرت نتائج الدراسة أن نموذج ChatGPT-5.2 (Thinking) لم يكتفِ بالمساعدة، بل أسهم بشكل مباشر في بناء جزء كبير من الهيكل البرهاني، مع تدخل بشري محدود، في خطوة يراها الباحثون سابقة في توظيف النماذج التجارية لإنتاج معرفة رياضية أصلية.
وأكد فريق مختبر تحليل البيانات بجامعة بروكسل الحرة أنهم من بين الأوائل الذين يبرهنون على قدرة نظام متاح تجاريًا في مجال التعلم الآلي على تطوير براهين مستقلة.
وفي هذا السياق، قال الباحث بريخت فيربيكن، وهو باحث ما بعد الدكتوراه بالمختبر: "لم أكن أتوقع أن يتمكن ChatGPT من مساعدتي في التعامل مع مسائل رياضية غير محلولة، لكن ما حدث فاق توقعاتي من حيث الكفاءة".
ويضع الفريق هذه النتائج ضمن إطار منهجي أوسع يُعرف بـ"إثبات الأجواء"، حيث تُستخدم نماذج اللغة كأدوات لاستكشاف وتنظيم الأفكار النظرية المعقدة. كما يفتح هذا التوجه الباب أمام تساؤلات حول مدى سرعة تطوره، مقارنة بما شهدته "البرمجة الأجواء" المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي انتقلت خلال فترة قصيرة من أدوات مساعدة بسيطة إلى أنظمة قادرة على توليد أكواد شبه تلقائيًا.
من جانبه، شدد البروفيسور فينسنت جينيس على أن هذه النتائج تدحض الفكرة الشائعة التي تختزل إبداع الأنظمة الذكية في مجرد إعادة صياغة بيانات التدريب، مؤكدًا أن ما تحقق يعكس قدرة حقيقية على الابتكار والإنتاج المعرفي.
رغم الدور المتقدم الذي لعبه النموذج في صياغة البرهان، يشدد الباحثون على أن العنصر البشري لا يزال حاسمًا في مرحلة التحقق النهائي، خصوصًا في رصد الثغرات المحتملة وضمان تماسك الاستدلال منطقيًا. كما تكشف هذه التجربة عن المجالات التي تتفوق فيها نماذج اللغة، مقابل تحديات لا تزال قائمة، وفي مقدمتها دقة التحقق واعتماديته.
ويمثل هذا الإنجاز خطوة نوعية في مسار توظيف الذكاء الاصطناعي داخل البحث النظري، إذ لم يعد مقتصرًا على دعم الكتابة أو البرمجة، بل بات شريكًا في إنتاج معرفة رياضية جديدة، شريطة اقترانه بإشراف علمي دقيق.
وفي هذا الإطار، يؤكد البروفيسور أندريس ألغابا أن وتيرة توليد البراهين المرشحة شهدت تسارعًا غير مسبوق، إلا أن التحدي الأكبر لا يزال في التحقق البشري الذي يتطلب وقتًا وجهدًا. وأضاف أن التطور المستمر لنماذج اللغة قد يسهم مستقبلاً في تسريع هذه المرحلة أيضًا.
اقرأ أيضًا :
حكم قضائي تاريخي لمعالجة إدمان منصات التواصل
إدانة ميتا ويوتيوب في قضية إدمان وسائل التواصل الاجتماعي
التجسس على "آيفون" لم تعد حكرًا على الحكومات.. التهديد يطال الجميع














