كانت سرعة الحواسيب وتكلفتها المرتفعة العائق الأكبر أمام تطور الذكاء الاصطناعي لعقود طويلة، لكن المشهد تغير اليوم. التحدي الجديد لم يعد متعلقًا بقوة الحوسبة، بل بـ توفير كهرباء مستقرة ووفيرة لتشغيل مراكز البيانات الضخمة التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة.
ووفقًا لموقع " لايف ساينس"، عانى الباحثون في الذكاء الاصطناعي خلال القرن العشرين، ليس بسبب قلة الطموح، بل لأن الأجهزة المتاحة لم تكن قادرة على التعامل مع متطلبات النماذج المعقدة. كانت المعوقات الرئيسية تتمثل في محدودية سرعة المعالجة والذاكرة، ما أدى إلى ما يُعرف بـ "فترات ركود الذكاء الاصطناعي"، حيث توقفت المشاريع وابتعد المستثمرون عن تمويلها.
لكن المشهد تغير اليوم، حيث تُدرّب النماذج الحديثة على رقائق متخصصة داخل مراكز بيانات ضخمة، مع إمكانية توسيع قدراتها خلال فترات زمنية قصيرة. كما أسهمت شركات مثل إنفيديا وAMD في تطوير وحدات معالجة رسومية عالية الأداء، أصبحت عنصرًا أساسيًا في تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ورغم هذا التقدم، يواجه القطاع تحديًا جديدًا يتمثل في الطاقة، التي أصبحت العامل الحاسم في استمرار نمو الذكاء الاصطناعي وتوسعه عالميًا.
سبب تزايد استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة
يتزايد استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة بشكل ملحوظ، مع تحوله من نماذج تُدرَّب لمرة واحدة إلى أنظمة تعمل بشكل مستمر عبر تطبيقات مثل الدردشة الآلية ومحركات البحث وتوليد الصور، ما جعله مستهلكًا دائمًا للكهرباء.
ويرى خبراء أن التحدي لا يكمن في نقص الطاقة عالميًا، بل في توفير إمدادات مستقرة وموثوقة في الوقت والمكان المناسبين لتشغيل مراكز البيانات.
وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن استهلاك مراكز البيانات للكهرباء قد يتضاعف بحلول نهاية العقد، ليقترب من مستويات استهلاك اقتصادات صناعية كبرى، فيما بدأت بعض المناطق بالولايات المتحدة بالفعل تشهد استهلاكًا يعادل الصناعات الثقيلة.
كما يتجه الطلب الأكبر على الطاقة نحو العمليات اليومية للذكاء الاصطناعي، خاصة أنظمة الاستجابة الفورية، والتي باتت تستهلك طاقة أكثر من عمليات التدريب التقليدية التي تتم على فترات متباعدة.
شبكات الكهرباء تحت ضغط الذكاء الاصطناعي
تواجه شبكات الكهرباء تحديًا متزايدًا في مواكبة التوسع السريع لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، إذ صُممت هذه الشبكات في الأصل للنمو التدريجي، وليس لاستيعاب أحمال ضخمة تظهر خلال فترات قصيرة.
ويرى خبراء أن المشكلة لا تتعلق بنقص عالمي في الكهرباء، بل بـ اختناقات محلية ناتجة عن التوسع المتسارع في إنشاء مراكز البيانات، التي تنمو بوتيرة تفوق قدرة تحديث البنية التحتية أو الإجراءات التنظيمية.
كما يزيد تركّز هذه المراكز في مناطق محددة من الضغط على الشبكات، خاصة في المناطق الريفية التي لم تُصمم لتحمل أحمال كبيرة، ما يجعل توفير الطاقة بالكميات المطلوبة وفي الوقت المناسب تحديًا رئيسيًا.
وتشير التقديرات إلى أن تطوير محطات الطاقة وشبكات النقل يستغرق سنوات، في حين تتسارع استثمارات شركات الذكاء الاصطناعي بوتيرة أكبر، ما يفاقم الفجوة بين الطلب على الكهرباء وقدرة الشبكات على الاستجابة.
حلول لمواجهة أزمة الطاقة
تسعى شركات التكنولوجيا إلى مواجهة تحديات الطاقة في قطاع الذكاء الاصطناعي عبر مجموعة من الحلول المتوازية، في ظل غياب حل واحد شامل. وتشمل هذه الجهود بناء محطات توليد كهرباء بالقرب من مراكز البيانات، إلى جانب توقيع اتفاقيات طويلة الأجل لدعم مصادر الطاقة، بما فيها الطاقة النووية والمتجددة.
كما تتجه الشركات إلى اختيار مواقع مراكز البيانات بناءً على وفرة الطاقة، حتى لو كانت بعيدة عن مراكز المستخدمين، فيما برزت منشآت تعدين العملات المشفرة السابقة كخيار بديل بفضل جاهزيتها من حيث البنية التحتية الكهربائية وأنظمة التبريد.
وفي موازاة ذلك، يجري العمل على تحسين كفاءة استهلاك الطاقة عبر تطوير الرقائق والتصاميم التقنية، ما يسهم في تقليل الطلب لكل وحدة معالجة. ورغم أن هذه الحلول لا تلغي الحاجة إلى المزيد من الطاقة، فإنها تساعد في تخفيف وتيرة نمو الاستهلاك مستقبلاً.
لا يوجد حل واحد لمشكلة الطاقة في الذكاء الاصطناعي. بدلاً من ذلك، تتبع الشركات عدة استراتيجيات في آن واحد.
الطاقة ليست كافية
يثير التوسع السريع في استخدام الذكاء الاصطناعي مخاوف بيئية متزايدة، في ظل ارتفاع استهلاكه للطاقة مقارنة بالحوسبة التقليدية، ما يساهم في زيادة الانبعاثات الكربونية لقطاع التكنولوجيا.
ورغم توجه الشركات الكبرى للاستثمار في الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة التبريد، يؤكد خبراء أن هذه الجهود لا تكفي وحدها، مشيرين إلى ضرورة تطوير نماذج أكثر كفاءة وربط مراكز البيانات بمصادر طاقة نظيفة بشكل أفضل.
وفي المقابل، يرى مختصون أن توفر المزيد من الكهرباء لا يعني بالضرورة الوصول إلى ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا، إذ تظل التحديات الحقيقية مرتبطة بالبيانات وتصميم النماذج والتقدم في قدرات الاستدلال.
ويخلص الخبراء إلى أن الطاقة عنصر أساسي، لكنها ليست العامل الحاسم، فيما باتت القدرة على الوصول إلى موارد الطاقة تحدد مستقبل انتشار الذكاء الاصطناعي ومواقع تطويره عالميًا.
اقرأ أيضًا :
كيف التف المراهقون ببريطانيا على حظر منصات التواصل؟
هل انتهى عصر الذكاء الاصطناعي الرخيص؟
الذكاء الاصطناعي يعاني آثار الحرب الإيرانية













