بات حظر منصات التواصل الاجتماعي يمثل معركة شد وجذب بين الحكومات الساعية لحماية القاصرين وبين جيل رقمي نشأ في أحضان الخوارزميات.
في بريطانيا، وبينما تدرس الحكومة فرض قيود صارمة على المراهقين دون سن 16 عامًا، أسوة بالتجربة الأسترالية، يكشف الواقع الميداني عن تحديات لوجستية وتقنية تجعل من إنفاذ هذا القرار أمرًا يقترب من المستحيل في ظل براعة المراهقين في تجاوز القيود الرقمية.
حظر منصات التواصل لم ينه عصر "إدمان التمرير"
تواجه مقترحات القوانين الجديدة انتقادات واسعة من قبل علماء النفس وخبراء التقنية، حيث أكدت البروفيسور إيمي أوربن من جامعة كامبريدج أن تأثير العالم الرقمي ليس موحدًا على الجميع، مشيرة أن حظر منصات التواصل قد يحرم الكثير من الشباب من وسيلة قيمة للتواصل الاجتماعي وتكوين الهوية.
ويرى المراهقون في مدارس لندن أن تطبيقات مثل "تيك توك" و"سناب شات" هي الرئة التي يتنفسون من خلالها، رغم اعترافهم الصريح بأنها تلتهم ساعات طويلة من يومهم، فيما يعرف بظاهرة "إدمان التمرير".
وأظهرت المقابلات مع مراهقين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عامًا وعيًا مفاجئًا بمخاطر "المحتوى الهدام" وتأثيره على الثقة بالنفس وصورة الجسد، إلا أنهم أبدوا معارضة شديدة لفكرة الحظر الكلي.
وبرر الطلاب موقفهم بأن حظر منصات التواصل سيدفعهم ببساطة نحو "الإنترنت المظلم" أو استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) للالتفاف على الرقابة، وهي وسائل قد تعرضهم لمخاطر أكبر بكثير من المنصات المعروفة التي تخضع حاليًا لقواعد "الأمان حسب التصميم".
وتشير البيانات القادمة من أستراليا أن خمس المراهقين تحت سن 16 عامًا واصلوا استخدام حساباتهم بعد شهرين من فرض الحظر، مما يضع فعالية "بوابات التحقق من العمر" تحت المجهر.
ويرى خبراء، مثل البروفيسورة سونيا ليفينغستون من كلية لندن للاقتصاد، أن محاولة حظر منصات التواصل هي بمثابة "استخدام مطرقة ثقيلة لكسر حبة جوز"، مشددة على أن الحل يكمن في إجبار شركات التقنية الكبرى على جعل منصاتها أكثر أمانًا، بدلاً من عزل الأطفال عن العالم الرقمي الذي يمثل حقًا من حقوقهم في العصر الحديث.
وفي ظل استمرار المشاورات العامة التي تنتهي في مايو المقبل، يطالب مختصون الحكومة البريطانية بتركيز ضغوطها على "خوارزميات الإدمان" التي تدفع الأطفال نحو محتوى إيذاء النفس أو اضطرابات الأكل.
ومع تحذيرات البروفيسور جوليا ديفيدسون من أن ستة من كل عشرة أطفال دون سن 13 عامًا لديهم بالفعل حسابات نشطة، يبدو أن قرار حظر منصات التواصل قد جاء متأخرًا لجيل بنى شبكات علاقاته بالكامل خلف الشاشات، مما يجعل التثقيف الرقمي والمسؤولية المشتركة بين الأهل والشركات هي المسار الوحيد المتبقي.













