في عالم كرة القدم الحديثة، غالبًا ما تتركز الأضواء على النجوم اللامعين القادرين على تغيير مجرى المباريات بلمحة فنية فردية، لكن الموقعة الكبرى التي جمعت بين إسبانيا وفرنسا في نصف نهائي كأس العالم، أمس الثلاثاء، جاءت لتعيد صياغة المفاهيم، وتقدم درسًا بليغًا في أن التنظيم الجماعي الصارم يتفوق دائمًا على بريق الأفراد.
ونجحت إسبانيا، ببساطتها المعهودة وعمقها التكتيكي، في تحييد ترسانة فرنسية مدججة بأسماء رنانة مثل كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي ومايكل أوليس وغيرهم الكثير، لتقتنص بطاقة العبور إلى النهائي الحلم بنتيجة مقنعة واستحواذ تام.
ودخل المنتخب الفرنسي المواجهة وهو المرشح الأوفر حظًا بعد مسيرة بدت ممهدة وسهلة في البطولة، في حين كانت إسبانيا تسير بخطى هادئة وشبه صامتة، لدرجة تعثرها في البداية بالتعادل أمام الرأس الأخضر، لكن مع إطلاق صافرة النهاية وفوز إسبانيا بهدفين نظيفين، تذكر الجميع فجأة لماذا لم يخسر هذا الفريق في 37 مباراة متتالية؟، ولماذا يتربع على عرش القارة الأوروبية؟.
عبقرية دي لا فوينتي الصامتة
حينما تولى لويس دي لا فوينتي قيادة المنتخب الإسباني في أواخر عام 2022، واجه موجة من التشكيك والتساؤلات الساخرة حول هويته وتاريخه، حيث اعتبره البعض مجرد خيار اتحاد متواضع لكونه قادمًا من قطاعات الناشئين والشباب، لكن الرجل البالغ من العمر 65 عامًا قدم ردًا عمليًا حاسمًا على أرض الملعب، فبعد التتويج بدوري الأمم الأوروبية، ويورو 2024، فإنه يضع بلاده على أعتاب المجد المونديالي للمرة الثانية في تاريخها.
والسر الحقيقي وراء نجاح دي لا فوينتي يكمن في البناء التراكمي، فالكثير من ركائز هذا المنتخب الحالي، مثل رودري، وميكيل ميرينو، وأوناي سيمون، وداني أولمو، وميكيل أويارزابال، ترعرعوا معًا تحت قيادته في منتخبات الشباب قبل عقد من الزمن، لقد تحول هذا الفريق بمرور السنوات إلى عائلة متماسكة تلعب بغريزة مشتركة، إذ يشعر كل لاعب بأن قوته تضاعف بوجود زميله إلى جواره، وهو ما جعل الأداء الجماعي يبدو كلوحة فنية متناغمة ومترابطة الأجزاء.
تفوق إسباني على كل المستويات
تفوقت إسبانيا في هذه المباراة على الأصعدة والمستويات كافة، وفرضت أسلوبها المعتمد على الاستحواذ الذكي، والضغط العكسي الخانق، والتمريات القصيرة المتناسقة، في المقابل، بدا المنتخب الفرنسي مفككًا تكتيكيًا، واعتمد بشكل مفرط على المهارات الفردية للاعبيه دون وجود رابط حقيقي بينهم، وهو ما دفع الخبراء للتأكيد على أن فرنسا امتلكت أفرادًا رائعين لكنها لم تمتلك فريقًا حقيقيًا على أرض الملعب.
وتمثلت نقطة التحول الرئيسية في المعركة الفنية في منطقة وسط الملعب، إذ شكل الثلاثي الإسباني المتميز فابيان رويز، ورودري، وداني أولمو جدارًا تكتيكيًا لا يمكن اختراقه، لعب أولمو دور صانع الألعاب الحر، وكان يتحرك بذكاء شديد بين الخطوط، متراجعًا إلى الخلف ليمنح إسبانيا تفوقًا عدديًا مريحًا في عمق الملعب، هذا التحرك الذكي تسبب في ارتباك واضح للدفاع الفرنسي الذي عجز عن إيجاد حل لرقابته، خاصة مع قدرة أولمو الفائقة على امتصاص الضغط وتوزيع الكرات بدقة متناهية لزملائه.
ولم تقتصر السيطرة الإسبانية على عمق الملعب فحسب، بل امتدت لتشمل الأطراف التي شكلت ثغرة واضحة في التنظيم الدفاعي لفرنسا، وعانى الدفاع الفرنسي من تراجع سلبي مفرط، إذ ركز اللاعبون على الدفاع الجماعي للمساحات دون فرض رقابة لصيقة على مفاتيح اللعب الإسبانية، واستغلت إسبانيا هذا التراخي بذكاء كبير من خلال الزيادة العددية التي صنعها الظهيران في الشق الهجومي.
وتجسد هذا التفوق بوضوح في لقطة الهدف الثاني، حيث تسبب صعود الظهير بيدرو بورو في وضع دفاع فرنسا في موقف حرج، بعد أن وجد المدافعون أنفسهم يواجهون جناحين وظهيرين في آن واحد، ومع فشل التغطية الدفاعية الفرنسية في تتبع انطلاقة بورو السريعة، استلم الأخير التمريرة الحاسمة من أولمو ليسكنها الشباك ببراعة، معلنًا تفوق الماتادور المطلق وإنهاء اللقاء تكتيكيًا قبل نهاية الساعة الأولى من اللعب.
استعادة بريق الجيل الذهبي لإسبانيا
عقب المباراة، أشار دي لا فوينتي بفخر إلى أن الفريق استعاد الروح القتالية لجيل 2010 التاريخي الذي توج بلقب كأس العالم في جنوب أفريقيا، هذه الروح تظهر بوضوح في التزام اللاعبين ورغبتهم المستمرة في التطوير والتضحية من أجل المجموعة، لدرجة أن اللاعبين البدلاء والذين لم يشاركوا في المباراة أصروا على خوض تدريبات شاقة فور انتهاء اللقاء.
ومع حسم التأهل للنهائي الكبير ومواجهة إنجلترا أو الأرجنتين، يرى المحللون أن الفريق الإسباني هو المرشح الأقوى والأجهز لرفع الكأس الغالية، فالمنتخب الإسباني يسير على خطى واضحة وثابتة بمشروع تكتيكي مستقر وناضج منذ سنوات، على عكس منافسيه الذين ما زالوا يبحثون عن هويتهم الفنية الكاملة، لقد أثبتت إسبانيا في هذه البطولة أن كرة القدم تظل لعبة جماعية في المقام الأول، وأن الفريق المتكامل والمنضبط هو دائمًا من يضحك في النهاية.













