يروي هدفان تاريخيان في نهائي كأس العالم قصة التحول الكبير الذي شهدته كرة القدم، ليس فقط في سرعة اللعب وأساليبه، بل في لياقة لاعبي كرة القدم وبنيتهم الجسدية وقدرتهم على تحمل الضغوط البدنية المتزايدة.
ففي نهائي كأس العالم عام 1970، احتاج المنتخب البرازيلي إلى نحو 30 ثانيةً لبناء هجمة مرّت خلالها الكرة بين ثمانية لاعبين، قبل أن يطلق الظهير الأيمن البرتو كارلوس تسديدةً قويةً، مسجلًا الهدف الرابع في شباك إيطاليا، في لقطة أصبحت واحدةً من أشهر أهداف البطولة.
وبعد أكثر من خمسة عقود، قدّم المنتخب الأرجنتيني هجمةً جماعيةً مشابهةً أمام فرنسا في نهائي كأس العالم 2022، لكنها استغرقت 12 ثانيةً فقط، وتضمنت سبع تمريرات، قبل أن ينهيها أنخيل دي ماريا داخل الشباك.
ويرى الدكتور أورلاندو لايتانو، الأستاذ في جامعة فلوريدا والخبير في فيزيولوجيا التمارين الرياضية، أن هدف البرازيل عام 1970 ربما لم يكن ليكتمل بالطريقة نفسها في كرة القدم الحديثة؛ لأن المدافعين الحاليين أصبحوا أسرع وأكثر قدرةً على إغلاق المساحات.
ويؤكد أن الفارق الأكبر بين لاعبي الماضي والحاضر لا يتعلق بالموهبة بقدر ما يرتبط بالبنية الجسدية ووظائف الأعضاء والتطور الكبير في طرق إعداد اللاعبين.
معركة على كل شبر من الملعب
يعتقد لايتانو، الذي عمل مع المنتخب البرازيلي خلال كأس العالم 2014، أن لاعبي كرة القدم المعاصرين أصبحوا مختلفين بدنيًا عن أسلافهم، فالتطور في الطب والتدريب الرياضي، إلى جانب التحولات التكتيكية جعل مباريات النخبة أشبه بمعركة على كل شبر من مساحة الملعب، وفرض على اللاعبين أن يصبحوا أسرع وأقوى وأكثر قدرةً على الاستمرار في الأداء المكثف.
وتكشف بيانات تمتد عبر خمسة عقود أن اللاعبين أصبحوا أطول قامةً وأقل احتفاظًا بالدهون، وفقًا لباحثين من جامعة ولفرهامبتون البريطانية، قارنوا بيانات آلاف اللاعبين في الدرجة الأولى الإنجليزية منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى العقد الحالي.
وارتفع متوسط طول اللاعبين بأكثر من أربعة سنتيمترات بين عامي 1973 و2013، واستمر الاتجاه نفسه خلال العقد التالي بين حراس المرمى والمدافعين، رغم انخفاض متوسط طول المهاجمين ولاعبي الوسط قليلًا.
وخلص الباحثون إلى أن لاعبي النخبة أصبحوا يميلون إلى الأجساد الطويلة والنحيلة ذات الأطراف الممتدة وهو ما ظهر في ارتفاع مؤشرات قياس الطول مقارنةً بالوزن.
ويعزو الباحثون هذا التحول في لياقة لاعبي كرة القدم وشكل أجسادهم إلى تحسن جودة أرضيات الملاعب، وارتفاع المتطلبات البدنية للعبة.
ففي سبعينيات القرن الماضي، كانت الملاعب تتحول خلال الشتاء إلى مساحات طينية ما كان يتطلب لاعبين يتمتعون بكتل عضلية كبيرة تساعدهم على القوة والثبات.
أما الملاعب الحديثة، فتسمح للاعبين الأقل وزنًا والأكثر رشاقةً بالأداء لمدة أطول مع القدرة على استهلاك جانب كبير من طاقتهم في الركض السريع.
سرعات أعلى وانطلاقات أكثر
تشير دراسات عدة إلى أن لاعبي السبعينيات والثمانينيات نادرًا ما تجاوزوا سرعة 30 كيلومترًا في الساعة، بينما نجح ما لا يقل عن عشرة لاعبين في كأس العالم 2022 في تجاوز 35 كيلومترًا في الساعة.
لكن التطور الأهم لا يقتصر على السرعة القصوى، بل يتمثل في مطالبة اللاعب بالوصول إليها مرات عدة خلال المباراة الواحدة.
ويقول ينس بانغسبو، أستاذ فيزيولوجيا التمارين الرياضية في جامعة كوبنهاغن، إن مهاجمي القرن الماضي كانوا يستطيعون المشي خلال أجزاء طويلة من المباراة، قبل الانطلاق في لحظات محدودة لتسجيل الأهداف، لكن ذلك لم يعد ممكنًا في كرة القدم الحديثة.
وخلال بطولة أوروبا 2024 في ألمانيا، ركض اللاعبون بسرعة بلغت 25 كيلومترًا في الساعة أو أكثر نحو 12 مرةً في المباراة الواحدة، وفقًا لبيانات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.
ويختلف عدد الانطلاقات وفق مركز اللاعب؛ إذ ينطلق قلب الدفاع ولاعب الوسط المحوري بأقصى سرعة نحو ثماني مرات في المباراة مقابل 12 مرةً للمهاجم و14 مرةً للظهير.
ويوضح بانغسبو أن الركض السريع مرةً واحدةً لا يمثل التحدي الحقيقي، بل تكمن الصعوبة في تكراره ولذلك أصبحت سرعة الاستشفاء العضلي عنصرًا أساسيًا في لياقة لاعبي كرة القدم.
وساهم الانتشار المتزايد لتكتيكات الضغط العالي، خصوصًا خلال العقد الماضي، في تسريع إيقاع المباريات؛ إذ تحاول الفرق استخلاص الكرة من دفاع المنافس قبل أن يتمكن من بناء الهجمة.
ورغم ذلك، لم يشهد إجمالي المسافات التي يقطعها اللاعبون زيادةً كبيرةً بالقدر نفسه، ففي السبعينيات كان اللاعب يقطع في المتوسط 8.7 كيلومترات خلال المباراة، سواءً بالمشي أو الهرولة أو الركض.
وارتفع المتوسط إلى 11.4 كيلومترًا خلال التسعينيات، قبل أن ينخفض إلى نحو 10.6 كيلومترات في كأس العالم 2022، وفقًا للاتحاد الدولي لكرة القدم، مع اختلاف المسافة بحسب مركز اللاعب.
وهذا يعني أن التحول الأساسي لم يكن في مقدار المسافة، بل في زيادة السرعات وكثافة الانطلاقات والجهد المبذول خلال فترات قصيرة.
هل يخوض اللاعبون مباريات أكثر من اللازم؟
لا تقتصر الضغوط الحديثة على سرعة المباريات، بل تمتد إلى عدد المشاركات وتتابعها، خصوصًا بالنسبة إلى لاعبي الأندية والمنتخبات الكبرى.
فرغم استقرار عدد مباريات معظم الأندية عالميًا عند نحو 42 مباراةً في الموسم، يواجه لاعبو النخبة عبئًا أكبر بسبب مشاركتهم في بطولات محلية وقارية ودولية متعددة.
وشارك مدافع ليفربول والمنتخب الهولندي فيرجيل فان دايك في 65 مباراةً خلال الموسم، من بينها عشر مباريات مع منتخب بلاده، قبل انطلاق كأس العالم، وفقًا لبيانات الاتحاد الدولي للاعبي كرة القدم المحترفين.
وحذّر الاتحاد من أن المتطلبات البدنية المفروضة على اللاعبين بلغت مستويات غير مسبوقة، مطالبًا بتوفير حماية أكبر وفرض فترات راحة إلزامية تسمح لهم بالاستشفاء.
وكشفت دراسة أُجريت بتكليف من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، ونُشرت عام 2023، عن زيادة وصفتها بـ«المقلقة» في معدلات إصابات العضلات الخلفية للفخذ خلال ثمانية مواسم.
ووقعت ست من كل عشر إصابات أثناء الركض أو الانطلاق السريع، ورغم أن الدراسة لم تحدد سببًا مباشرًا لهذه الزيادة، رجّح الباحثون أن تكون كثافة كرة القدم الحديثة وازدحام جدول المباريات من العوامل الرئيسية.
ويؤكد لايتانو أن اللاعبين يعملون حاليًا عند أقصى حدود قدراتهم البيولوجية، محذرًا من أن أجسادهم قد تتعرض للانهيار في غياب الوقت الكافي للاستشفاء.
جيل جديد من اللاعبين المخضرمين
في المقابل، ساهم تطور علوم الرياضة وأنظمة التدريب والتغذية وأساليب الاستشفاء في إطالة مسيرة اللاعبين، وتمكينهم من الاستمرار في مستويات النخبة لأعوام أكثر.
ويُعد حارس مرمى منتخب اسكتلندا كريغ غوردون، البالغ من العمر 43 عامًا، أكبر اللاعبين سنًا في كأس العالم 2026.
وارتفع متوسط أعمار تشكيلات دوري أبطال أوروبا من 24.9 عامًا عام 1992 إلى 26.5 عامًا عام 2018.
وبحسب الاتحاد الدولي لكرة القدم، كانت النسخ الثلاث الأخيرة من كأس العالم الأكبر من حيث متوسط أعمار اللاعبين، وسجلت نسخة 2018 الرقم الأعلى بمتوسط بلغ 27.9 عامًا.
وفي كأس العالم 1990، لم يتجاوز عدد اللاعبين الذين تبلغ أعمارهم 35 عامًا أو أكثر سبعة لاعبين فقط، قبل أن يرتفع العدد إلى 41 لاعبًا في مونديال 2022، وفقًا لبيانات جمعها جوشوا فيتسل، عالم البيانات والاقتصادي في جامعة أوسلو.
وفي كأس العالم 2026، تضم قوائم المنتخبات الرسمية 72 لاعبًا تجاوزوا سن الخامسة والثلاثين، من بينهم ثمانية لاعبين في سن الأربعين أو أكثر، وهو عدد يفوق إجمالي اللاعبين الأربعينيين في جميع النسخ السابقة مجتمعةً.
ويرى لايتانو أن اللاعبين الذين يعتنون بأجسادهم ويلتزمون ببرامج التدريب والاستشفاء المناسبة أصبحوا يمتلكون فرصةً أكبر للاستمرار في أعلى مستويات اللعبة لفترات أطول.
وهكذا، صنعت كرة القدم الحديثة مفارقةً واضحةً؛ فاللاعبون أصبحوا أسرع وأقوى، ويواجهون مباريات أكثر كثافةً، ما يرفع خطر الإصابات والإجهاد، لكن تطور علوم الرياضة منحهم في الوقت نفسه القدرة على إطالة مسيرتهم والبقاء في الملاعب حتى أعمار لم تكن معتادةً من قبل.








