لطالما نُظِر إلى الجمال عبر التاريخ على أنها الرمز الأول للصمود والقدرة الخارقة على التكيف في أعتى صحاري العالم، حيث ظلت تُعرف بلقب سفن الصحراء لتمكنها من قطع أطول المسافات تحت شمس حارقة وظروف جفاف قاسية، غير أن هذا الصمود البيولوجي التاريخي بدأ يتهاوى مؤخرًا أمام موجات الحر الشديدة والمتتالية التي باتت تضرب القارة الأفريقية.
ففي منطقة عفار الواقعة في شمال شرق إثيوبيا، والتي تُصنف كواحدة من أكثر أجزاء الكوكب حرارة وجفافًا، يروي البدو والرعاة مشاهد مؤلمة لما تصاب به إبلهم يوميًا، إذ تجوب قوافل الملح التي تحملها الجمال الصحراء في ظروف غير مسبوقة تؤدي إلى تشقق أقدامها وإصابتها بالبثور، وتسييل دموعها بشكل مستمر، بل وحرق جلدها وتساقط شعرها نتيجة جلوسها على الرمال الملتهبة التي تجاوزت حرارتها القدرة على الاحتمال، مع تسجيل نسب نفوق متزايدة بين صغار الإبل وعجولها التي لا تملك المناعة الكافية لمواجهة هذه السموم الحرارية والهواء الساخن المحمل باللظى.
أرقام تعكس عمق أزمة الإبل
المعاناة التي يلمسها الرعاة في حياتهم اليومية تجد ما يؤيدها بقوة في أروقة البحث العلمي والتقارير الصادرة عن المنظمات المهتمة بالبيئة وصحة الحيوان، وتستضيف منطقة القرن الأفريقي وشمال القارة نحو 80% من إجمالي الجمال العربية ذات السنام الواحد في العالم، وهي الحيوانات التي اعتمد عليها المزارعون والرعاة لعقود طويلة كبديل آمن عن الماشية الأخرى الأكثر تأثرًا بالجفاف، إلا أن دراسة ميدانية أجريت في جنوب إثيوبيا أثبتت أن الارتفاع المتواصل في درجات الحرارة وتقلبات المناخ حسما هذه الأسطورة، بعدما تسببا في تراجع حاد في صحة القطعان وإنتاجيتها وأدائها التناسلي.
ولم تكن الصومال المجاورة بأفضل حالًا، بل إن الوضع فيها صار أكثر مأساوية وحرجًا، إذ كشفت التحليلات الدقيقة عن أن نفوق الإبل بسبب ظروف الجفاف الحادة بات يمثل أزمة اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق تطال ما يقارب نصف الأسر الرعوية التي تعتمد على الإبل، وبلغت معدلات الوفيات في بعض المقاطعات الشمالية الصومالية مستويات قياسية مفزعة تجاوزت الـ70%، ما جرد آلاف العائلات من مصدر رزقها الأساسي.
وهذه الظاهرة المؤلمة لم تعد محصورة في النطاق الشرقي للقارة بل امتدت لتشكل حزامًا من التهديد يمتد عبر كينيا ودول شمال أفريقيا بكاملها، وفي مقاطعة مارسابيت الشمالية في كينيا المحاذية للحدود الإثيوبية، يؤكد الأطباء البيطريون رصد زيادة مطردة في الحالات التي تعاني من الارتفاع المفرط في درجة الحرارة، وما يتبع ذلك من تفشي العدوى المتعددة ونفوق الإبل بنسب تتجاوز الـ15% خلال العامين الأخيرين فقط.
وعلى امتداد الصحراء الكبرى في شمال أفريقيا، وتحديدًا في الجزائر والمغرب، بينت الأبحاث الأكاديمية زيادة ملحوظة في معدلات الوفيات الموسمية خلال أشهر الصيف التي تشهد موجات حر قياسية، وتتزامن هذه المعطيات الميدانية مع بيانات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التي تشير إلى أن شمال أفريقيا سجل أسرع معدل لارتفاع درجات الحرارة من بين أقاليم القارة، بمعدل يزيد على أربعة أعشار الدرجة المئوية لكل عقد زمني، مترافقًا مع تسجيل درجات حرارة قياسية تجاوزت الـ50 درجة مئوية في عدة دول بالمنطقة.
انهيار مناعة الإبل بسبب الحرارة
تتغلب الجمال عادة على درجات الحرارة القاسية التي تصل إلى 40 درجة مئوية من خلال آلية فريدة تتيح لدرجة حرارة جسمها الداخلية التقلب والتغير على مدار اليوم للتكيف مع الجو الخارجي، ما يحميها من فقدان السوائل عبر التعرق، ويساعدها في ذلك بولها المركز وبرازها الجاف وغطاء جلدها السميك الذي يعكس الأشعة الشمسية.
غير أن هذه المنظومة الدفاعية تتفكك وتنهار تمامًا عندما تتجاوز درجات الحرارة حاجز الـ50 درجة مئوية لفترات ممتدة ليلًا ونهارًا، وهو ما أثبتته التجارب العلمية في المختبرات والجامعات المتخصصة، حيث تؤدي هذه الحرارة المفرطة إلى مهاجمة الخلايا الحيوية للحيوان وتدمير خلايا الدم البيضاء نتيجة الإجهاد الخلوي، ما يُضعف الجهاز المناعي ويمنع الخلايا من إصلاح نفسها.
ويترتب على هذا التلف الخلوي هبوط حاد في معدلات التمثيل الغذائي كحيلة حيوية لجسم الجمل للحد من إنتاج الحرارة الداخلية، وهو ما يقود بدوره إلى فقدان الشهية والخمول التام، والانخفاض الملحوظ في إنتاج الحليب، والإصابة بالتشوهات والتوافيض التناسلية، ناهيك عن هشاشة العظام واختلال كيمياء الجسم الناتج عن تراجع وظائف الكلى وظهور الالتهابات الطفيلية المختلفة.
وتتضاعف شدة هذه الكارثة البيولوجية عندما تقترن ندرة المياه بشح الغطاء النباتي وانعدام المساحات المظللة التي توفر المأوى للحيوانات المجهدة، فضلًا عن ضعف الخدمات البيطرية في هذه المناطق النائية، وأمام هذا التدهور البيئي السريع، لم يعد أمام الكثير من الرعاة في إثيوبيا سوى اتخاذ قرار مؤلم بنقل إبلهم وترك مواطنهم التاريخية في الشمال والتوجه بشكل نهائي نحو المناطق الجنوبية التي تتوفر فيها بعض النباتات والمصادر المائية.
ويؤكد الخبراء والأكاديميون المتخصصون في تنمية المجتمعات الرعوية أن هذه التحركات لم تعد مجرد هجرات موسمية كما كان يحدث في الماضي، بل أصبحت نزوحًا وهجرة دائمة فرضتها القسوة المناخية بعد أن أصبحت البيئات الشمالية غير قابلة لاستضافة الإبل، وفي الوقت الذي تسعى فيه منطقة القرن الأفريقي للتعافي من أطول موجة جفاف شهدتها، تفاقمت الأزمة الاقتصادية مع ارتفاع أسعار مياه الشرب بنسب خيالية في بعض المناطق، ما يضع الرعاة أمام خيارين أحلاهم مر، إما النزوح وتغيير نمط حياتهم التاريخي، أو مشاهدة إبلهم وهي تسقط واحدة تلو الأخرى أمام التغير المناخي الذي لا يرحم.













