تُمثل اللحظة التي ينتقل فيها عامل ممرض من الحيوانات إلى البشر الشرارة الأولى لمعظم تفشي الأمراض المعدية في العالم الحديث، وهو السيناريو الذي يعتقد الكثير من العلماء أنه كان وراء نشأة جائحة كوفيد-19، إذ ينحدر الفيروس المسبب لها من عائلة فيروسات كورونا المتوطنة في الخفافيش.
وفي خطوة علمية رائدة، نجح تحالف بحثي دولي يضم معاهد وجامعات مرموقة في كاليفورنيا وسان سيناي وباستور وسياتل في الكشف عن أدلة جزيئية حاسمة تفسر هذا التحول، إذ تبين أن تغيرًا في حمض أميني واحد فقط داخل بروتين فيروسي معين يمكن أن يقلب موازين القوى، ويغير بشكل جذري طريقة تفاعل الفيروس مع المنظومة المناعية لكل من الخفافيش والبشر، ممهدًا الطريق لتحول فيروس حيواني غير ضار إلى مهدد للصحة العامة.
وللوصول إلى هذه النتيجة التي نشرتها مجلة "Cell Host & Microbe"، ركز الفريق البحثي على مقارنة فيروس سارس-كوف-2 بفيروس كورونا وثيق الصلة به يعيش في الخفافيش ولا يؤذي البشر يُدعى "RaTG13"، واعتمد الباحثون في تجربتهم على أول خط خلوي رئوي مستنبت مخبريًا ومستخلص من خفاش حدوة الحصان الكبير، ما أتاح لهم مراقبة دقيقة لكيفية اشتباك الفيروسين مع البروتينات المناعية في خلايا الرئة لدى النوعين.
وخلال هذه المقارنة برز بروتين فيروسي محدد يسمى "OrfB9"، ورغم أن نسختي هذا البروتين في الفيروسين المتشابهين تختلفان بحمض أميني واحد فقط من أصل 100 حمض، فإن هذا الفارق الضئيل أحدث تأثيرًا متباينًا ومذهلًا في بيئة كل منهما.
وعند فحص السلوك الخلوي، اتضح أن نسخة هذا البروتين الخاصة بفيروس كورونا البشري نجحت في تعطيل نظام الإنذار المناعي الحيوي داخل خلايا الرئة البشرية، ما منح الفيروس القدرة على التكاثر والانتشار بسهولة فائقة، وفي المقابل، أحدثت النسخة الخاصة بفيروس الخفافيش تأثيرًا معاكسًا تمامًا في خلايا رئة الخفاش، حيث حفزت بروتينًا مناعيًا ساعد الجسم على كبح الفيروس والسيطرة عليه تمامًا.
ويوضح هذا الاكتشاف كيف يمكن لتعديلات جينية متناهية الصغر أن تحسم مصير الفيروس وتمنحه القدرة على تجاوز حاجز الأنواع، وهو ما وصفه العلماء برسم الخرائط التفاعلية للبروتينات التي تتيح قراءة البصمات الجزيئية للتنبؤ بمخاطر الأوبئة المستقبلية، وبناء نظام إنذار مبكر يحتاجه العالم لرصد الفيروسات الحيوانية الأكثر خطورة وقابلية للانتقال قبل أن تتحول إلى كوارث صحية عالمية.













