مع تصاعد الأخبار عن تفشي إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، واستمرار المخاوف المرتبطة بفيروس هانتا، قد يظن كثيرون أن هذه الأخبار لا تعنيهم طالما أنهم بعيدون عن مناطق انتشار المرض.
لكن علماء النفس يرون أن مجرد التعرض لمثل هذه الأخبار قد يؤثر في طريقة تفكيرنا وأحكامنا وسلوكنا، حتى وإن لم نكن معرضين مباشرة لخطر العدوى.
ويفسر الباحثون ذلك بما يُعرف بـالجهاز المناعي السلوكي، وهو مجموعة من الاستجابات النفسية التي تطورت عبر آلاف السنين لمساعدة الإنسان على تجنب الأمراض قبل الإصابة بها.
خط دفاع يسبق الجهاز المناعي
يمتلك الجسم جهازًا مناعيًا قادرًا على مهاجمة الفيروسات والبكتيريا بعد دخولها إلى الجسم، لكن تشغيل هذا النظام يتطلب استهلاك قدر كبير من الطاقة، وهو ما يفسر شعور الإنسان بالإرهاق أثناء المرض.
ولهذا يرى الباحثون أن الإنسان طوّر، عبر مسار التطور، نظامًا نفسيًا يعمل كخط دفاع أول، يساعده على تجنب مصادر العدوى من الأساس بدلًا من انتظار الإصابة بها.
وأطلق عالم النفس مارك شالر، من جامعة كولومبيا البريطانية، على هذه المنظومة اسم الجهاز المناعي السلوكي.
ويعد الاشمئزاز أحد أبسط آليات هذا النظام؛ فالشعور بالغثيان عند شم رائحة طعام متعفن، أو النفور من الأشياء التي تبدو ملوثة، يمثل محاولة فطرية لتجنب مسببات الأمراض.
لا يقتصر دور الجهاز المناعي السلوكي على تجنب مصادر العدوى، بل يمتد أيضًا إلى تعزيز الالتزام بالقواعد الاجتماعية.
ويفسر الباحثون ذلك بأن المجتمعات القديمة طورت عادات تقلل انتشار الأمراض، مثل طرق إعداد الطعام، والحفاظ على النظافة، والتخلص من النفايات، ولذلك كان الالتزام بهذه القواعد يزيد فرص البقاء، خاصة أثناء انتشار الأوبئة.
وتشير الدراسات إلى أن مجرد التذكير بالمرض قد يجعل الأشخاص أكثر ميلًا لمجاراة الآخرين والالتزام برأي المجموعة.
ففي إحدى التجارب، طلب الباحثون من طلاب التصويت على تغيير في نظام التقييم الجامعي، ولاحظوا أن الذين استعادوا في ذاكرتهم تجربة مرض سابقة كانوا أكثر ميلًا للتصويت بما يتوافق مع رأي الأغلبية.
وفي تجربة أخرى أجرتها جامعة هونغ كونغ، شاهد المشاركون صورًا لجروح وحشرات مرتبطة بالتلوث قبل تقييم أعمال فنية، فأصبحوا أكثر ميلًا لتبني آراء الآخرين مقارنة بمن شاهدوا صور حوادث سيارات أو قطارات، وهي صور مزعجة لكنها لا ترتبط بخطر العدوى.
الخوف من العدوى يعيد تشكيل أحكامنا
تشير أبحاث أخرى إلى أن التذكير بالأمراض قد يجعل الناس أكثر تشددًا في أحكامهم الأخلاقية.
ففي بعض التجارب، طُلب من المشاركين تقييم مواقف اجتماعية مثيرة للجدل، وجاءت أحكامهم أكثر صرامة بعد تعرضهم لمثيرات مرتبطة بالأمراض مقارنة بأشخاص لم يتعرضوا لهذه التذكيرات.
ويرى العلماء أن هذا التشدد ربما ساعد المجتمعات القديمة على فرض سلوكيات تقلل انتقال الأمراض خلال فترات التفشي.
تشير بعض الدراسات أيضًا إلى أن الجهاز المناعي السلوكي قد يؤثر في طريقة نظرنا إلى الغرباء أو الأشخاص القادمين من مجموعات مختلفة.
ويقول باحثون إن الخوف من انتقال الأمراض قد يدفع بعض الأشخاص، بصورة غير واعية، إلى ربط الغرباء باحتمال حمل مسببات العدوى، وهو ما قد ينعكس على مستوى الثقة أو تقبل الآخرين.
وتشير أبحاث أجريت في الولايات المتحدة وأوروبا إلى أن تنشيط هذا النظام النفسي قد يسهم لدى بعض الأشخاص في زيادة الحذر من الغرباء، بل وربما يعزز مشاعر رهاب الأجانب (Xenophobia) في بعض الظروف.
ماذا كشفت جائحة كوفيد-19؟
أتاحت جائحة كوفيد-19 فرصة لاختبار هذه الفرضيات خارج المختبر.
فقد رصدت مراجعات علمية تغيرات في الثقة الاجتماعية، والحذر من الآخرين، واليقظة الأخلاقية، وبعض المواقف السياسية خلال ذروة الجائحة.
كما أظهرت دراسة أجريت في إيطاليا عام 2020 وشملت 685 شخصًا وجود ارتباط بين ارتفاع الخوف من الفيروس وتراجع الشعور بالهوية المشتركة مع بعض الأقليات، مثل المهاجرين والأجانب.
لكن الباحثين يشيرون في الوقت نفسه إلى أن هذه النتائج لم تتكرر في جميع الدراسات، وهو أمر متوقع نظرًا لأن الواقع أكثر تعقيدًا من التجارب المخبرية، إذ تتداخل فيه عوامل عديدة مثل الثقافة، والتعليم، والظروف الاجتماعية، والأحداث السياسية، والتجارب الشخصية.
يشدد الباحثون على أن تأثير الجهاز المناعي السلوكي يختلف من شخص لآخر.
فبعض الأشخاص لديهم حساسية أكبر تجاه مخاطر العدوى، ولذلك يتأثرون بصورة أكبر عند سماع أخبار الأمراض، بينما يكون آخرون أقل استجابة لهذه الإشارات.
كما تؤثر الشخصية، والتعليم، والبيئة الاجتماعية، والمهنة، والأصدقاء، والتجارب الحياتية، وحتى الحالة المزاجية، في كيفية استجابة الأفراد لمثل هذه الأخبار.
الجهاز المناعي السلوكي ليس المسؤول الوحيد
يرى الباحثون أن الجهاز المناعي السلوكي قد يجعلنا أكثر حذرًا، وأكثر تشددًا في تقييم بعض السلوكيات أو في نظرتنا إلى الغرباء عند التعرض لأخبار تفشي الأمراض، لكنه لا يتحكم وحده في قراراتنا أو مواقفنا.
فطريقة تفكير الإنسان تتشكل من تفاعل عوامل عديدة، لذلك تبقى هذه الاستجابات جزءًا من الصورة، وليست التفسير الكامل لسلوكنا.
ولهذا، يقترح الباحثون أنه في المرة المقبلة التي نقرأ فيها عن تفشي مرض جديد، قد يكون من المفيد أن نتساءل ما إذا كانت هذه الأخبار تؤثر بصورة غير واعية في أحكامنا تجاه الآخرين، مع تذكر أن هذا التأثير، مهما كان موجودًا، لا يملك الكلمة الأخيرة في قراراتنا.













