تتجه أعين مراكز الأرصاد العالمية اليوم نحو مراقبة التطورات المتسارعة والمقلقة في المحيط الهادئ، حيث يقترب حدوث تحول جذري في المنظومة المناخية للأرض عبر بداية دورة جديدة من ظاهرة النينيو.
وتحذر تقارير دولية من أن ظاهرة النينيو تستعد للعودة مجددًا لتضرب التوازن البيئي وتضع الاستقرار الاقتصادي العالمي على المحك في القريب العاجل.
وحيثما تتداخل الحسابات الحاسوبية المتقدمة لسيناريوهات الطقس، ينظر الخبراء ببالغ القلق إلى النصف الثاني من العام الجاري، باعتباره نقطة الانطلاق لدورة حرارية قد تفوق في عنفها وتأثيراتها المدمرة كل ما اختبرته البشرية في السنوات القليلة الماضية.
ويبرز التقرير المناخي المشترك الذي أصدرته المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة بالتعاون مع مكتب الأرصاد الجوية البريطاني كمركز رئيسي للتنبؤ المناخي أن النماذج الحاسوبية المتطورة باتت تشير بوضوح لا يقبل اللبس إلى وجود احتمالية عالية جدًا تبلغ 96% لنشوء دورة جديدة لظاهرة النينيو بحلول ديسمبر من عام 2026 الحالي.
وتوضح البيانات المقاسة أن هذه الدورة المرتقبة لن تكتفي بالظهور، بل ستشتد وتمتد بقوة عبر فصلي الشتاء والربيع لعامي 2026-2027.
كيف سيتأثر الكوكب بالنينيو الفائق
تنطلق هذه القراءات المخيفة لتتكامل مع تحذيرات وتوقعات إدارة الغلاف الجوي والمحيطات الأمريكية، والتي وضعت بدورها احتمالًا يبلغ 82% لتشكل المنظومة رسميًا في الأشهر المقبلة من عام 2026.
وأشارت الإدارة إلى وجود فرصة تصل إلى 35% لتطور الدورة الجديدة وتصنيفها كـ "نينيو فائق" يتجاوز فيه ارتفاع حرارة المياه عتبة درجتين مئويتين فوق المعدل الطبيعي.
وشدد الدكتور ليون هيرمانسون، المشرف الرئيسي على إعداد التقرير، على أن نشوء ظاهرة النينيو بحلول نهاية العام الجاري سيرفع من احتمالات جعل عام 2027 القادم العام الأشد سخونة وحرارة، والأكثر تحطيمًا للأرقام القياسية في تاريخ البشرية المسجل، متجاوزًا الرقم القياسي السابق الذي تم تسجيله في عام 2024.
وتتزامن هذه التنبؤات الاستوائية مع عمليات محاكاة رقمية متقدمة شملت 250 مسارًا لنمذجة المناخ من 13 مؤسسة علمية دولية بارزة، من بينها إدارة الأرصاد الجوية الكورية ومعهد "ماكس بلانك" وهيئة الأرصاد الألمانية.
ويتوقع العلماء تسارعًا كارثيًا لظواهر الاحترار القطبي نتيجة التفاعل الفيزيائي لظاهرة النينيو، حيث يُتوقع أن ترتفع درجات الحرارة في القطب الشمالي خلال فصول الشتاء الخمسة المقبلة بمعدل 2.8 درجة مئوية فوق معدلات العقود الماضية.
وسيقود هذا الارتفاع القياسي، الذي يفوق وتيرة الاحترار العالمي بثلاث مرات ونصف، إلى انكماش واختفاء جليد بحر بارنتس وبحر بيرنغ وبحر أوخوتسك بشكل متسارع وخطير يهدد التوازن البيئي العالمي.
النينيو القادم سيعيد رسم خريطة الأمطار
تقود التنبؤات الحرارية للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى إعادة رسم خريطة هيدرولوجية جديدة ومتناقضة للأمطار في الأعوام المقبلة، تتداخل فيها الفيضانات العاتية مع موجات القحط الحاد.
وحيث يُتوقع هطول أمطار طوفانية وسيول تفوق المعدل السنوي في مناطق شمال أوروبا، ومنطقة الساحل الأفريقي، وألاسكا، وسيبيريا خلال الفترة الممتدة من مايو إلى سبتمبر 2027، فإن غابات الأمازون ستواجه في المقابل جفافًا حادًا وغير مسبوق يهدد بقطع إمدادات المياه ورطوبة التربة لمواسم متتالية جراء تأثيرات ظاهرة النينيو.
ويوجه خبراء الأمن الغذائي عيونهم نحو منطقة القرن الأفريقي التي باتت مهددة بمجاعة جديدة صامتة.
وأصدرت شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة تحذيرات شديدة اللهجة من تداعيات المنظومة المرتقبة، حيث تظهر البيانات احتمالات عالية لانخفاض حاد في الأمطار الموسمية بين يونيو وسبتمبر على السودان، وجنوب السودان، وإثيوبيا، وغرب كينيا، وأوغندا.
ويهدد هذا التراجع الحاد في الأمطار بفشل زراعي كامل وتفشي الجوع وسوء التغذية الحاد لملايين الأسر التي تعتمد بالكامل على المحاصيل المطرية.
وتفرض هذه التوقعات المبكرة لظاهرة النينيو على الحكومات والوكالات الإنسانية حتمية تفعيل بروتوكولات الطوارئ والتخزين المسبق للإمدادات الغذائية والطبية عاجلًا، للتخفيف من وطأة الفاتورة الإنسانية الصعبة التي يبدو أن المناخ يستعد لفرضها على العالم في عام 2027.














