تؤكد المنظمات الدولية المهتمة بمراقبة الطقس أن التغيرات الجوية المتطرفة الطبيعية مثل "ظاهرة النينيو" لا تمثل مجرد موجات حر عابرة، بل هي منظومة هدم وإعادة تشكيل شاملة للبيئة والاقتصاد العالمي.
وتكتسب هذه المنظومة خطورتها الفائقة من قدرتها الفريدة على ربط مصائر قارات متباعدة في آن واحد، محولة التفاعلات الفيزيائية الصامتة في أعماق المحيط الهادئ الاستوائي إلى كوارث إنسانية وتنموية مروعة تمتد تأثيراتها لسنوات طوال بعد تراجع التغير الحراري للمياه.
وينطلق التفسير العلمي لخطورة هذه الظاهرة من جذورها التاريخية وتأثيرها المباشر على حياة البشر، وهو ما التفت إليه صيادو الأسماك الإسبان في بيرو منذ القرن السابع عشر.
وحينما لاحظ هؤلاء الصيادون ارتفاعًا مفاجئًا في حرارة المياه الساحلية يتزامن مع احتفالات أعياد الميلاد، أطلقوا عليها اسم ظاهرة النينيو، والتي تعني بالإسبانية "طفل الميلاد".
أثر مناخي يحمل تداعيات اقتصادية
تتجاوز الخطورة الحديثة للظاهرة حدود الشواطئ المحلية، لتتحول إلى معضلة اقتصادية وصحية عالمية يصعب التكيف معها.
حينما قامت دراسة مرجعية نُشرت في مجلة "ساينس" بتحليل بصمة النمو الاقتصادي، اكتشف الباحثون أن ظاهرة النينيو تترك أثرًا سلبيًا مستمرًا يمتد لأكثر من 5 سنوات بعد زوالها الفيزيائي.
وأثبتت الأرقام أن الخسائر التراكمية لدورتي 1982 و1997 بلغت مجتمعة نحو 9.8 تريليون دولار، وسط توقعات مرعبة بأن تبلغ خسائر القرن الحادي والعشرين حوالي 84 تريليون دولار نتيجة تفاعل الظاهرة مع الاحتباس الحراري المتسارع.
وتكمن أسباب هذا التدمير الاقتصادي في الاستهداف المباشر لسلال الغذاء العالمي والتضخم السلعي الحاد.
وحيث تبين تقارير البنك المركزي الأوروبي أن تقلبات ظاهرة النينيو مسؤولة وحدها عن نحو 20% من تحركات تضخم أسعار الأغذية عالميًا، فإن نشوءها يعني حتميًا اشتعال الأسواق.
ويظهر هذا الخطر جليًا في غرب أفريقيا، حيث تسبب الجفاف والحرارة المفرطة في خفض إنتاج الكاكاو في ساحل العاج بنسبة 10.8%، مما قفز بأسعار التجزئة للشوكولاتة عالميًا بنسب وصلت إلى 116%، بالتزامن مع لجوء الشركات لظاهرة "التضخم الانكماشي" وتقليص أحجام السلع لتعويض التكاليف الفادحة.
أسباب تجعل ظاهرة النينيو تهديدًا للمستقبل
تتضاعف المخاوف الأكاديمية عند الإجابة على سؤال: لماذا تثير النماذج الحاسوبية القلق بشأن السيناريوهات المتطرفة القادمة؟
وتوضح المحاكاة الرقمية لجامعة سيول الوطنية أن دورات ظاهرة النينيو فائقة القوة تمتلك القدرة على إطلاق "انزياح هيكلي دائم للنظم المناخية".
وفي حال حدوث هذا الانزياح، سيفشل المحيط في استعادة حالته المتعادلة، لتثبت الأرض في حالة استوائية مستدامة فائقة الحرارة، مما يؤدي لتجفيف رطوبة التربة بشكل متكرر ومستمر، ويهدد بانهيار بيئي شامل للأحزمة الغابية العظمى كغابات الأمازون.
وتتكامل هذه التهديدات الوجودية مع احتمالات اختراق عتبات الأمان الدولية بمقدار يتجاوز درجتين مئويتين للمرة الأولى في التاريخ البشري.
وحيث يحذر علماء الأرصاد من أن هذا الاحترار الهائل سيعمل على إلغاء "قص الرياح" الرأسي في المحيط الأطلسي، فإن الكوكب سيفقد بذلك خط الدفاع الطبيعي والكابح السنوي للأعاصير الطوفانية.
ونتيجة لذلك، ستتداعى خطط التكيف العمراني للمدير الحديثة تحت وطأة موجات حر قاتلة وعواصف عاتية تجتاح الشواطئ وتلتهم مخازن الحبوب العالمية، مما يثبت بالدليل القاطع أننا لا نواجه مجرد تقلب طقسي، بل نواجه التحدي المناخي الطبيعي الأكثر شراسة وخطورة على مستقبل البشرية.














