يؤكد علماء الأرصاد الجوية أن المنظومة المناخية الأكثر تأثيرًا على كوكب الأرض تبدأ من تفاعل صامت بين مياه المحيط الهادئ الاستوائي والغلاف الجوي، حيث تبرز ظاهرة النينيو كقوة ديناميكية قادرة على إعادة رسم ملامح الطقس والاقتصاد العالمي على حد سواء.
وتتحكم هذه المنظومة في توزيع الأمطار وموجات الجفاف عبر قارات العالم، مما يجعل فهم فيزيائها المعقدة أمرًا بالغ الأهمية للمجتمعات الحديثة.
وتنطلق هذه الآلية من جغرافيا فيزيائية دقيقة تحكم منطقة خط الاستواء، حيث يؤدي أي تغير طفيف في توازن القوى بين الرياح والمياه إلى تأثيرات متسلسلة تمتد من سواحل أستراليا إلى شواطئ أمريكا الجنوبية.
ما هي ظاهرة النينو؟
تعرف ظاهرة النينو بأنها اضطراب مناخي طبيعي يحدث نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح المياه في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي.
تتكرر هذه الظاهرة كل 2 إلى 7 سنوات، وتستمر عادة ما بين 9 إلى 12 شهرًا، وتؤدي إلى تغيرات جذرية في أنماط الطقس والحرارة حول العالم.
حينما تنظر إلى الحالة الطبيعية المعتدلة للمحيط الهادئ، تجد أن الرياح التجارية الشرقية تهب بقوة وثبات من الشرق إلى الغرب.
وتقوم هذه الرياح بدفع المياه السطحية الدافئة باستمرار نحو غرب المحيط الهادئ، وتحديدًا صوب منطقة إندونيسيا وشمال أستراليا، مما يتسبب في تشكيل خزان مائي ضخم يُعرف علميًا باسم "مجمع المياه الدافئة في غرب الهادئ".
وبسبب هذا الاندفاع المستمر للمياه الدافئة نحو الغرب، يفسح المجال للمياه العميقة الباردة والغنية بالمواد المغذية بالصعود إلى السطح قبالة سواحل بيرو والإكوادور عبر تيار "كرومويل" السفلي، وهي العملية الفيزيائية الحيوية المعروفة بالصعود المائي، والتي تمنح تلك الشواطئ ثروة سمكية هائلة.
كيف تتشكل ظاهرة النينيو في أعماق المحيط الاستوائي؟
رغم استقرار هذا النظام لعقود، إلا أن نشوء ظاهرة النينيو يبدأ عندما يطرأ ضعف مفاجئ وغير متوقع في قوة الرياح التجارية الشرقية.
وفي بعض الدورات المناخية العنيفة، لا تكتفي هذه الرياح بالضعف بل تتراجع بالكامل أو تنعكس لتصبح رياحًا غربية تهب من الغرب إلى الشرق.
ويتسبب هذا التغير الديناميكي المفاجئ في ارتداد المياه الدافئة المخزنة في الغرب، وتبدأ بالزحف شرقًا على شكل أمواج محيطية ضخمة باتجاه سواحل أمريكا الجنوبية، مما يغير الخصائص الحرارية للمحيط.
ويؤدي هذا الزحف المائي الدافئ إلى كبح تيار كرومويل تمامًا ووقف عملية الصعود المائي البارد التي كانت تغذي الشواطئ الشرقية.
ونتيجة لذلك، ترتفع درجات حرارة سطح البحر في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي بمقدار يتراوح بين درجة إلى 3 درجات مئوية فوق المعدلات السنوية الطبيعية.
وتحت تأثير هذا التغير الفيزيائي، تنتقل مراكز صعود الهواء الساخن والحمل الحراري، مما ينقل الاضطرابات الجوية السحابية والأمطار الغزيرة من غرب المحيط الهادئ إلى وسطه وشرقه، تاركًا مناطق الغرب في حالة جفاف حاد.
المؤشرات الفيزيائية لظاهرة النينيو
يعود الفضل في تفكيك هذه الديناميكية المعقدة إلى مسار بحثي طويل، بدأ عندما لاحظ عالم الأرصاد الجوية البريطاني السير جيلبرت ووكر وجود تذبذب دوري في الضغط الجوي بين شرق وغرب الهادئ.
أسس ووكر مفهوم "التذبذب الجنوبي" بعد مراقبته لتغيرات الضغط بين تاهيتي وداروين، إلا أن الروابط ظلت مجتزأة حتى أواخر ستينيات القرن العشرين.
وفك علم الأرصاد الحديث الشفرة كاملة على يد الأستاذ ياكوب بييركنيس من جامعة كاليفورنيا، والذي برهن على أن ضعف الرياح التجارية وارتفاع حرارة المحيط يغذيان بعضهما بعضًا في حلقة ارتدادية مغلقة عُرفت بـ "تغذية بييركنيس الارتدادية".
ولمنع المفاجآت المناخية، يعتمد العلماء اليوم في الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي على مصفوفة متطورة من المؤشرات الفيزيائية لرصد وتحليل ظاهرة النينيو بدقة.
وتتضمن هذه المصفوفة "مؤشر التذبذب الجنوبي" الذي يقيس فروق الضغط السطحي، بجانب المراقبة المستمرة لدرجات حرارة سطح البحر في المنطقة الجغرافية الحرجة المعروفة باسم "النينيو 3.4".
وتستعين المراكز الدولية برصد "الإشعاع طويل الموجة الخارج" عبر الأقمار الصناعية لتقييم قوة الحمل الحراري وهطول الأمطار، مدعومة بشبكة عوامات "تاو" البحرية الراسية التي تم تطويرها عقب دورة عام 1982 الكارثية لتوفر بيانات حرارية حية ومباشرة من أعماق المحيط.
ومع استمرار التغيرات المناخية العالمية، تؤكد البيانات المقاسة أن تكرار ظاهرة النينيو يحمل تأثيرًا مباشرًا على استقرار المجتمعات، حيث ينهار التفاعل التقليدي مع المحتوى البيئي تحت ضغط التطرف الطقسي.
وتفرض هذه التغيرات على مراكز الأرصاد خوض معركة "الحضور الذكي" للتنبؤ المبكر، خصوصًا وأن أي خلل في قراءة مؤشرات المحيط الهادئ قد يؤدي إلى كوارث إنسانية واقتصادية غير محسوبة في مجالات الزراعة، والأمن المائي، وإدارة الأزمات عبر دول العالم كافة.














